مطعم الإخلاص.. [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 1051 - عدد المشاهدات : 107106 ]       »     فصل الإسلام عن الثقافة العربية... [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 402 ]       »     صبــــــــــــــــــاح الابتسا... [ الكاتب : يسرى بكرى - آخر الردود : محمد عوض عثمان - عدد الردود : 714 - عدد المشاهدات : 97083 ]       »     العلاقات السودانية المصرية.. [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 422 ]       »     عشان ما يغشونا ويستغلونا.. [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : محمد ضرار خيري - عدد الردود : 4 - عدد المشاهدات : 461 ]       »     رسالة من الصادق المهدي إلى مؤت... [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 540 ]       »     موقعة ذات الجهل.. إعلام العالم... [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 1 - عدد المشاهدات : 536 ]       »     موقعة ذات الكيك.. للفاتح جبرا [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 2 - عدد المشاهدات : 616 ]       »     شركة أمطار للاستثمار والاستعما... [ الكاتب : احمد حسن بيك - آخر الردود : mahir baik - عدد الردود : 5 - عدد المشاهدات : 769 ]       »     ميساديات [ الكاتب : ميسادى - آخر الردود : احمد حسن بيك - عدد الردود : 875 - عدد المشاهدات : 84067 ]       »    


الإهداءات


العودة   منتديات جزيرة صاي > ®§][©][ المنتـــــديات العـــــــامه][©][§® > المنتدى العام

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 02-20-2017, 03:41 PM   رقم المشاركة : 1041
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







mahir baik is on a distinguished road

mahir baik غير متواجد حالياً

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة احمد حسن بيك مشاهدة المشاركة
  

نحن نحتاج إلى سودانيين جدد قادرين على الانبهار والدهشة والمقارنة والحسرة والغيرة والرغبة في تحسين الأوضاع والإرادة لتغييرها والصبر من أجل الوصول لهذا الهدف؛ وبين العام 1970 حيث اندهش الناس لأننا سألناهم أين الكهرباء والماء النظيف والعام 2005 الذي اندهش فيه المسؤول عن نادي محترم لإنني سألته لماذا كل الحمامات بالنادي بلدية ولا توجد حمامات أفرنجية والعام 2016 الذي قال فيه أحدهم أن زملاءه انبهروا بمستوى الحياة في ماليزيا بعكسه هو لأنه زار اليابان من قبل.. بين هذه الأعوام لا يبدو أن شيئاً تغير أو أن السوداني الراغب في التغيير قد ولد بعد.
حان وقت تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،

السلام عليكم
بالنسبة للسودان المنكوب بسكانه
أغلب الناس يعتقدون أن ما يأكلون هو الأفضل و ما يلبسون هو الأجمل و يتعجبون حين يجدون أن البعض لا يوافقهم في ما يعتقدون.
كان هناك حديث حول اجمل مدينة في السودان .... و حين قلت أن السودان ليس به مدينة .... كل ما يسمونه مدن في السودان كان قرى في طريق التمدن ثم إنتكس و عاد أسوأ مما كان .... أجاب البعض ... هذه مدننا و عاجبانا ... و أجاب البعض ... هذا هو الطراز الذي يناسب السودان!!! كأن الله سبحانه و تعالى خلق العالم وحده ثم خلق السودان بعده ( أو العكس) ... في نيجيريا ... قام بعض السودانيين بدعوة عبد الخالق وردي و سيد عبد الكريم و شخصي الى فطور رمضان ... لم يكن لديهم إلا العصيدة!! ..... لا أتناول العصيدة لكنني جاملتهم و أكلت معهم ... تنبه واحد منهم أنني أخذ وقتا طويلا بين كل لقمتين و سأل ...إنت ما سوداني!!!؟ ... العصيدة ما بتاكلها!!!؟
في الرياض ذات يوم .... حضر الينا ضيف سوداني ... و في وجبة العشاء كانت الطحينية موجودة أعجبته جدا ... و سأل ... الطحينية دي سودانية ؟ ... أجبته بالنفي و أنها سعودية ... تعجب كثيرا من كون السعوديين يصنعون الطحينية من السمسم مثل السودانيين و ليس الفول السوداني مثل باقي الدول!!! .... يشهد الله أنني لم أكل طحينية مصنوعة من الفول السوداني إلا في السودان .... في لبنان قابلت كامل بدوي البساط و هو من الأعلام في صناعة الطحينية و أخبرني أنه يذهب للسودان و السعودية للإشراف على تصميمات المصانع و جودة الإنتاج.
أما حكاية الحمامات العامة .... في الطريق من الخرطوم الى وادي حلفا لم أصادف إلا إستراحة واحدة في الطريق .... حماماتها كلها بلدية ( حفرة) و بدون سقف و يطلبون من مستخدميها جنيها أجرة لها!!! ..... أما المطعم فجعلني اقتنع أن البسكويت و الماء أفضل طعام في السفر.
لا زال أمام الشعوب الموجودة في السودان قرون ليدركوا أنهم متخلفون للحد الذي يرفض فيه التخلف إقتران إسمه بهم .... و أن تصرفاتهم و طريقة معيشتهم في القرى التي أتوا منها لا تتناسب بالضرورة مع المنطقة التي رحلوا اليها.
قول لأحد (( الساسة)) في السودان لا أذكر من هو تحديدا و إن كنت أعتقد أنه عمر نور الدايم وزير المالية و الزراعة و ربما غيرها خلال فترة الفوضى الثالثة ...... هكذا تسلمنا البلد من الإنجليز و هكذا سنسلمها لأولادنا.
رد مع اقتباس
قديم 02-22-2017, 09:15 AM   رقم المشاركة : 1042
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

الأعزاء محمد عوض وماهر بيك.. صباح الخير،،،
نعم هناك أمل في أن تصبح بلادنا مثل تلك البلاد وأكثر حين يتوقف إعجابنا الزائف بأنفسنا ونبدأ في مقارنة وضعنا بالآخرين والتخلي عن الأكاذيب التي صاغها أبناء الإنجليز (الخريجون والبيوتات والإقطاعيين) لتبرير استحواذهم على خيرات البلاد ونفي كل من يخالفهم الرأي أو المصلحة خارج جنتهم.
الأجيال الحالية بدأت تقارن وتناقش وتقرر وتنفذ بدون التوقف كثيراً عند مسلمات الأباء والأجداد، ربما سيخلق هذا حالة من الفوضى والسيولة القيمية لفترة .. لكنه سيقود في النهاية وعبر اصطدام المفاهيم والمصالح إلى نوع من الإتفاق – كما نأمل – أو تفكك البلاد وضم أجزاءها المختلفة إلى الدول المجاورة – وهو ما لا نأمله ولا نصدقه لأن البلدان المجاورة لديها ما يكفي من المشاكل.
تحتاج كل دولة أو قومية ناشئة إلى قيمة معنوية تبرر وجودها ونشأتها وتبحث عبر تاريخها عن شواهد مادية لتؤكد هذه القيمة أو تعمل لتأكيدها عبر سياساتها واستراتيجياتها وخططها وقراراتها، ومن النوع الأول سنجد إسرائيل التي تحاول إثبات إن الشعب اليهودي عاد إلى أرض الميعاد وتنفق الملايين (وربما المليارات) من أجل إيجاد شواهد مادية تاريخية على وجود دولة لليهود في فلسطين، أما النوع الثاني فسنجد ماليزيا التي تؤكد وباستمرار على القومية الماليزية القائمة على تمازج الملاويين والصينيين والهنود بديلاً للقومية المالاوية القائمة على عنصر واحد فقط.
قامت الدولة في السودان على مجموعة من الأكاذيب صاغها مجتمع أم درمان الذي امتزجت مصالحه بالاستعمار عبر أسره وأقطاعييه وخريجيه فقرر أن تكون الدولة على مقاس مصالحه هو وليس مصالح باقي المشتركين فيه.. فالنضال الوطني هم أسياده والاستقلال هم أبطاله والعلم هم رجاله والدين هم أتباعه المخلصين والديمقراطية هم أفضل من يطبقها والقيم التي يبشرون بها لا يمكن لأحد أن يختلف معها والمعارضين لكل هذا أو لجزء منه يتم عقابهم بدءاً من الاحتقار والازدراء إلى الحرب والإبادة.. وهو ما ترجمه السياسي السوداني ببساطة بإعلان أن الأمر تسليم من المستعمر لصنائعه وليس استقلالاً لمصلحة الشعب وأن مصالحنا ومفاهيمنا هي التي ستسود وعلى الكارهين أن يشربوا من البحر.
لكل هذا كان القادمون من مصر خطراً داهماً على الدولة الوليدة؛ فهؤلاء رأوا وعرفوا وعاشوا واستفادوا من وجودهم في دولة حقيقية لها تاريخ حقيقي ومؤسسات حقيقية ولا يمكن خداعهم بأن جامعة الخرطوم هي أفضل جامعات العالم بينما يعرفون هم جامعات وكليات ومعاهد عمر بعضها مائتي سنة وبعضها ألف سنة، ولا يمكن خداعهم بالنضال المزعوم للاستقلال بينما رأوا هم المصريين يموتون وهم يهاجمون معسكرات الإنجليز، ولا يمكن خداعهم بعلماء الدين السودانيين بينما تزخر مصر بالعلماء، ولا يمكن خداعهم بالطب المتقدم بينما تزخر مصر بالأطباء الحقيقيين أصحاب الأسماء الرنانة، كما لا يمكن خداعهم بالرأسماليين والإقطاعيين بينما رأوا هم وعاشوا مع الملوك أنفسهم...إلخ.
ولهذا أيضاً فقد تضمنت قيم الدولة السودانية كراهية مصر والمصريين وكل من أقام بمصر فترة أو تخرج من معاهدها تحت مختلف الحجج: فمن قائل أن هؤلاء عملوا في وظائف وضيعة أساءت لسمعة السودانيين ومن قائل أن التعليم في مصر أقل من مستوى التعليم في السودان (كم علامة تعجب ينبغي وضعها هنا) ومن صريح يقول أن هؤلاء يمثلون خطراً على القيم السودانية (قيم أم درمان).. وليس لأحد أن يسأل عن الوظائف التي كان يشغلها السودانيون في السودان أيام الاستعمار أو يقارن بين التعليم المصري والتعليم السوداني أو يستفسر عن ملاءمة القيم السودانية للواقع أو صحتها في الأساس.
كانت الدولة في السودان مخصصة لخدمة مصالح الطبقة الجديدة من صنائع الاستعمار ولذلك فإن كل من أدرك هذا تصرف فيها حسب هواه وبدون أدنى اعتبار لما يمثله تصرفه أو يتسبب فيه في المستقبل؛ فحسن الترابي يدخل أول محاضراته في كلية القانون بجامعة الخرطوم بعد عودته من السربون ليعلن للطلاب أن مادة القانون الجنائي سيتم تدريسها اعتباراً من اليوم باللغة العربية وحين يسألونه عن المراجع يقول لهم ابحثوا عنها.. هكذا بلا رجوع لمجلس الكلية أو مجلس الجامعة؛ والطائرات الحربية تأتي من سوريا والعراق محملة بالأسلحة فتهبط في مطار الخرطوم ويتم تفريغها وإرسال شحناتها إلى ثوار أريتريا بدون علم مجلس الوزراء أو مجلس رأس الدولة أو وزارة الدفاع؛ وطائرات أخرى تأتي من أثيوبيا محملة بيهود الفلاشا فتهبط في مطار الخرطوم حيث يركبون طائرات أخرى إلى بلجيكا ومنها إلى إسرائيل بينما مجلس الوزراء ووزارة الدفاع في غفلة عما يحصل؛ وموظفو الدولة يتحولون إلى رجال أعمال ووكلاء لشركات عالمية بدون أن يسألهم أحد من أين لكم هذا؟.
هذا حديث ذو شجون.. بل هو الشجون نفسها، دعونا نتركه ونعود إلى ماليزيا.
..........................................
استمرت الأمطار طيلة المساء ولم تتوقف إلا بعد الحادية عشرة ليلاً لنجد الشوارع نظيفة بعد تكفلت مجاري المياه بالتخلص من باقي المطر، ونمنا على أن نستيقظ في الصباح التالي المخصص للسوق.
كان سائقو التاكسي ومندوب الشركة قد أشاروا علينا باستمرار بشراء كل احتياجاتنا من مول ضخم قريب من المركز التجاري للمدينة أسمه "ماي دين" ومن هناك يمكن التوجه إلى السوق الصينية المسماة "تشينا تاون" وإلى السوق الهندية المسماة "ليتل إنديا"، وقررت زوجتي أن نذهب يوم الأثنين لنرى على الطبيعة.
توجهنا مع الطفلتين إلى محطة البصات حيث استقللنا حافلة عمومية ودفعنا رنجت عن كل بالغ بينما ركبت الطفلتان مجاناً، وفي البص النظيف كما كل شئ في كوالا لامبور لاحظت الصمت التام داخل الحافلة إلا من صوتي وصوت زوجتي وأصوات الطفلتين.
كانت المحطة النهائية هي "ماي دين" ونزلنا من الحافلة لنجد مبنى مربعاً كبيراً من خمسة طوابق له أكثر من باب فصعدنا السلم لندخل من الباب الأول ونبدأ السؤال عن مكان الملابس المقسم إلى ملابس للأطفال وملابس للرضع وملابس للمراهقين وملابس للبالغين وعلى كل قطعة سعرها بينما في نهاية كل قسم مخزن ضخم تتحرك إليه شحنات الملابس الجديدة التي صادف وصولها وجودنا في المول.
يتم التحرك إلى الأدوار المختلفة باستخدام السلم الكهربائي كما أن هناك مصاعد لاستخدام الزبائن غير مصاعد الخدمة والبضائع، وفي كل مكان هناك مكان لتخزين عربات حمل البضائع ليستخدمها الزائرون في تحميل مشترياتهم، وبرغم تواجد عدد كبير من العاملين الذين يرتدون أزياء مميزة لسهولة التعرف عليهم فإنه لا يوجد أحد يقف أمام قسم معين وإنما هم يتجولون باستمرار يتسلمون البضائع الجديدة ويرحلون البضائع القديمة إلى المخزن ويراجعون ترتيب البضائع في أماكنها ويتأكدون من وجود السعر عليها وكل هذا بصمت تام وكأن الكلام لم يُخترع بعد.
وجدنا أدواراً مخصصة للمصنوعات الجلدية: أحذية وشنط حريمي وشنط أطفال وشنط مدارس وشنط للسفر وكلها على مساحة ضخمة وعلى كل سعرها، كما وجدنا أدواراً لأدوات التجميل وأدوات النظافة والعطور المختلفة وأدوات الزينة وأدواراً للمستلزمات المنزلية من الصواني والأطباق والأكواب وغيرها وأدواراً لساعات الحائط وساعات اليد والأدوات الكهربائية وأدواراً لمستلزمات المنزل الكهربائية من تليفزيونات وغسالات ملابس وغسالات أطباق وأفران وبوتجازات وتوقفت الطفلتان أمام تليفزيون يعرض أفلام كرتون ورفضتا تركه حتى ينتهي الفيلم كما وجدنا أدواراً للطعام المختلف والحلوى.
أشترينا كمية من الأشياء (زوجتي هي التي اشترت بعد عملية تباديل وتوافيق صعبة لم أفهمها مطلقاً) ودفعنا بسرعة حيث وضعوا كل شئ في كيس بلاستيك خاص به عليه أسم المول وخرجنا من هناك لنسأل عن "تشاينا تاون" فاتفقت مع زوجتي أن تذهب بمفردها وأن أعود أنا مع الطفلتين وغنائم الغزوة إلى المنزل لنعيد ترتيبها في حقائبنا.
ركبنا تاكسي يقوده سائق مالاوي رفض التفاوض معنا وأصر على عشرة رينجات فوافقنا وعدنا إلى المنزل ووضعنا المشتريات في الغرفة وبدأنا ترتيبها في الحقائب.
وجدنا عاملة النظافة المخصصة لشققنا تؤدي عملها ومعها طفل صغير أقل من عامين، وهي شابة صغيرة مبتسمة ولا تتوقف عن الكلام كعادة العاملات في المنازل. قالت أنها أندونيسية وأسمها "واندا" وأن أباها كثير العيال لذلك لم يتمكن من تعليمها وزوجها وهي في سن الخامسة عشرة حيث أنجبت طفلها الأول وانتقلت مع زوجها إلى ماليزيا وراء لقمة العيش، وحين كبر طفلها وبلغ المرحلة الثانوية فكرت هي وزوجها في الإنجاب مرة أخرى فرزقهما اهات بهذا الطفل الصغير وأسمه "الحاج محمد". سألتها عن زوجها فقالت أنه يعمل هو أيضاً وأنها تساعده في مصروفات المنزل والتوفير لبناء منزل خاص بهما في أندونيسيا، وقد داعبت الطفل الصغير فجاء وسلم علي وقبل يدي وقال كلمة بالأندونيسية معناها "سيدي"، وقالت "واندا" أنهم يعلمون الأطفال في أندونيسيا كيف يحترمون الكبار والزوار منذ نعومة أظفارهم.
عادت زوجتي من السوق الصيني بدون أن تشتري شيئاً واشتكت من رداءة المعروضات وارتفاع سعرها واتفقت معها أنه حتى في ماي دين فإن المعروضات الماليزية ليست بالجودة أو السعر الذي يجبرك على الشراء وأن أسلوب العرض وإغراء شراء كل شئ تحت سقف واحد هو ما يجذب الزبائن.
توجهنا في المساء إلى تايمز سكوير حيث اشترينا العطور الماليزية التي يتنافس البائعون على اجتذاب الزبائن بتقديم العروض المختلفة (اشتر خمسة وخذ السادسة مجاناً)، ومعظم هؤلاء البائعين هم من الفتيات صغيرات السن أقل أو أكثر بقليل من 20 سنة وبعضهن يتحدثن الإنجليزية والقليل منهن يتحدث العربية.
ثقافة المولات هي ثقافة القرن الحادي والعشرين حيث يتم إغراء الزبائن بالعثور على كل ما يحتاجونه تحت سقف واحد وفي محلات مختلفة تقدم عروضاً مغرية فضلاً عن إغراء قضاء وقت ممتع في السينما أو الملاهي وتناول الطعام في المطاعم الموجودة بالمول، وقد انتشرت المولات في كل العالم مع انتشار ثقافة الاستهلاك والشراء بدون حساب (الفيزا كارد) وأصبح البعض يباهي بأن مول مدينته أفضل من مولات المدن الأخرى وينتهز الفرصة لدعوة الضيوف لقضاء الوقت في المول وتناول الطعام والشراب هناك.
في اليوم الأخير توجهت مع الطفلتين إلى متحف كوالالامبور الوطني لكي نتعرف على تاريخ هذه البلاد، وككل المزارات التابعة للحكومة فإن سعر الدخول متواضع جداً مع إعفاء الأطفال أقل من خمس سنوات من التذاكر، وفي ساحة المتحف كانت سيارة أول رئيس وزراء وأول طائرة (سسنا) وقاطرة سكة حديد بخارية وأخرى ديزل وعربة إطفاء قديمة وقارب قديم معروضة مع شرح كاف باللغتين الإنجليزية والماليزية، أما بالداخل فقد تناول المعرض المراحل البدائية لماليزيا ثم دخول الإسلام وفترة الحكم الإنجليزي والاستقلال ولاحظت أن المعروضات محدودة مقارنة بالمتحف المصري المتخم بالمعروضات (هناك أكثر من مائة وعشرين ألف قطعة أثرية بالمتحف المصري لا يتم عرضها لعدم وجود مكان كاف) وحتى بالنسبة لمتحف السودان القومي (لم أزره منذ فترة) الملئ بالمعروضات الأثرية، غير أن جودة العرض والاستعانة بالوسائط الإلكترونية والتركيز على المعروضات الموجودة قد جعلت من زيارتنا شيئاً مفيداً.
رأينا عرشاً يعود لأحد سلاطين ماليزيا وقد تم وضعه وباقي الأثاث في مساحة واسعة بنفس ترتيب وضعها في قاعة العرش الحقيقية، كما رأينا غرفة نوم تخص أحد السلاطين ورأينا صوراً خاصة ببداية التعدين في ماليزيا (القصدير) والأدوات والآلات المستخدمة ورأينا صوراً ومجسمات عن زراعة وحصاد البامبو وكان أهم ما في المعرض الجزء الخاص بتطور التعليم منذ استقلال ماليزيا وحتى اليوم حيث تم عرض صور تظهر المدارس الأولى التي افتقرت إلى المباني المجهزة والأدوات اللازمة وحتى الطلاب افتقر بعضهم إلى الأحذية لكن المدارس استمرت وحافظ الطلاب والمدرسون والدولة عليها وظل الطلاب يأتون حافيين ربما لكنهم ارتدوا دائماً الطاقية إظهاراً لاحترام التعليم والمدرسة والمعلم.
داخل المتحف المكون من دورين كانت فتيات صغيرات في سن الجامعة يرتدين الزي المميز للعاملين بالمتحف ويتحدثن الإنجليزية بطلاقة يقمن بمساعدة الأطفال والكبار والرد على كافة الاستفسارات بينما تأتي البصات حاملة أطفال المدارس في رحلاتهم التي لا تتوقف إلى أماكن العلم وأماكن الترفيه لكي يتعرفوا على بلادهم ويحسوا بالإنتماء إليها، وقد داعبت المشرفات الطفلتين وحاولن الحديث معهما بالإنجليزية فلم تحصلا منهما إلا على أسميهما وكلمة "ثانك يو".
تحركنا من هناك إلى مبنى ملحق هو متحف النسيج المخصص لعرض التطور في صناعة النسيج في ماليزيا ووجدنا به نماذج للملابس التقليدية للرجل والمرأة الماليزية كما وجدنا أنوالاً مختلفة ومغازل تؤشر لتطور صناعة النسيج الماليزية وقد أجبت على أسئلة الطفلتين التي لا تنتهي في حدود معلوماتي عن النسيج وأشرت إلى مغزل بدولاب لكي أذكرهما بقصة "الجميلة النائمة" التي نامت لسنوات بعد أن طعنتها أبرة المغزل المسحورة في أصبعها.
خرجنا من المتحف لنستقل تاكسياً إلى المنزل ونجد أمهما قد عادت من السوق بعد غزوة موفقة وأكملت ترتيب الحقائب ووضعت أكياس البلاستيك في مكان خاص لنستخدمها في السودان، وقررت أنني سأنام قليلاً حتى أتمكن من السهر في الطائرة التي تستغرق رحلتها سبعة ساعات من كوالالامبور إلى الدوحة.
كان الموعد المقرر للحضور إلى المطار هو الحادية عشرة مساءً حيث ستقلع الطائرة في الساعة الثانية صباحاً، صليت الظهر وأقفلت باب غرفتي علي وأغمضت عيني لأتذكر أنني بقيت ثلاثة أيام أغالط نفسي وأقول أنني أصلي في إتجاه خاطئ حيث توجهت إلى الغرب بدلاً من الشرق كما اعتدنا في بلادنا لأتذكر بعدها أننا في أقصى الشرق وأن مكة المكرمة هي إلى الغرب من ماليزيا.
تأكدت للمرة الأخيرة من جوازات السفر ومن وجود التذاكر والكروت الصحية في الحقيبة المخصصة لها وألقيت نظرة أخيرة على الملابس التي سأرتديها اثناء رحلة العودة ورحت في إغفاءة قصيرة حتى موعد الغداء.
حان وقت تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،
رد مع اقتباس
قديم 02-28-2017, 11:40 AM   رقم المشاركة : 1043
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

تحركنا إلى المطار حوالي الساعة العاشرة والنصف مساءً بسيارة شركة التدريب بعد أن تأكدنا من عدم تركنا لشئ خلفنا في الشقة وسلمنا المفاتيح (الشقة وباب الشارع) لمندوب الشركة وحملت معي جوازات السفر والتذاكر بحرص شديد فهذه هي مفتاح خروجنا من هنا وعودتنا إلى بلادنا.
ألقيت نظرة أخيرة وأنا أغلق الشباك على الحي الذي أمضينا فيه ما يقارب الأسبوعين؛ كانت إطلالتنا الخلفية على الحي التجاري القديم بمبانيه التي لا تتجاوز الطوابق الثلاثة مع طابق أرضي ومعظم هذه الطوابق مخصص للأعمال التجارية مع عدد محدود من الشقق السكنية يميزها أصص الزهور على أبوابها وشبابيكها.
وفي طرف الحي توجد المدارس الحديثة (روضة أطفال ومدرسة ابتدائية) ولكل منها حوش واسع مزروع بالنجيل وبعض الأشجار الأخرى، غير أن الأصوات المميزة للمدارس عندنا في العالم الثالث لا توجد هناك حتى وقت خروج التلاميذ إذ تنتظرهم أمهاتهم أو أبائهم فيخرجون في هدوء تام ويركبون سيارات ذويهم بدون ضجيج.
كنت قد مررت على هذه المدارس أحياناً في وقت خروج التلاميذ من الروضة وأنا في طريقي إلى المسجد الموجود في طرف الحي، وفي المسجد المكون من طابقين وطابق أرضى يُستغل كمكان لانتظار سيارات العاملين بالمسجد والمصلين ويترك فيه المصلون أحذيتهم كان الدور الأول مخصصاً للمحاضرات والمكتبة بينما الدور الثاني مخصص للصلاة وبه أكثر من مكان للوضوء بالإضافة إلى بركتين مائيتين لتجميل المكان وبإمكان المرء سماع صوت الأذان الهادئ الخفيض في وقت الصلاة. وفي الدور المخصص للصلاة تلمع السجاجيد والأرضية داخل وخارج محل الصلاة من النظافة وبينما يحضر بعض الطلاب إفطارهم معهم ليتناولوه خارج محل الصلاة حتى لا يتأخروا عليها فإنهم يحرصون على عدم ترك أي فتات أو أثار للطعام في هذا الطابق.
أنطلقنا بالسيارة وسط الشوارع التي ألفناها ومررنا عليها أكثر من مرة أثناء رحلاتنا داخل المدينة الجميلة، وبينما شمخت الأبراج الحديثة الجميلة متحدية قوانين الجاذبية الأرضية ومهارات وإبداعات المهندسين المعماريين كانت المجمعات السكنية التابعة للدولة والمشمولة بكافة أنواع الخدمات (أسواق وغيرها) موجودة ومضيئة في نفس الوقت الذي كانت بقايا مدن الصفيح التي ميزت منطقة جنوب شرق آسيا لعقود تنسحب ببطء ولا يبقى منها غير أكواخ قليلة تصلها الكهرباء والمياه النظيفة وتنتظر دورها لكي تدخل في ذمة التاريخ.
الدولة هي المسؤولة عن البناء في ماليزيا وهي التي تتعاقد مع المقاولين لكي يقوموا ببناء المجمعات السكنية وتقوم هي بتأجيرها أو تمليكها للراغبين بأسعار معقولة، ويمكن للراغبين في البناء بأنفسهم أن يحصلوا على موافقة الإدارة الهندسية بالمدينة لكي يقوموا بتنفيذ تصميمهم الخاص.. علماً بأن الإدارات الهندسية هناك حقيقية وتمارس دورها بصرامة.
لا أحد في الشوارع.. فالماليزي إما في عمله أو في بيته والسائحون هم في المنطقة التجارية أو في أماكن الترفيه بينما الشوارع تلمع تحت الأضواء من النظافة والسيارات تسير ضمن نظام مروري يضمن استمرارها في السير وعدم توقفها كل دقيقة كما يحدث في بلدان أخرى.
دخلنا المطار حوالي الساعة الحادية والربع وتوجهت لأحضر عربة لحمل حقائبي بينما تفرغ مندوب الشركة لإنزال الحقائب ثم ساعدنا في دفع العربة إلى داخل المطار وودعنا عند منطقة السفر مع التمنيات الطيبة والدعوات له بالنجاح في دراسته ومساعيه في ماليزيا.
في داخل المطار الواسع جداً لم يكن صعباً أن نجد مكان الخطوط الجوية القطرية المسافرة إلى الدوحة، وأمام أكثر من كاونتر وقف الركاب صفوفاً قصيرة وتقدمت مع حقائبنا إلى الموظفة التي طلبت مني جوازات سفرنا فأعطيتها إياها لتمررها عبر الكاشف الضوئي وتتأكد من وجود إسمائنا على الرحلة ثم تطلب مني بأدب وضع الحقائب على الميزان فتدخلت زوجتي طالبة منها وضع علامة "قابل للكسر" على كل الحقائب فاستجابت ببساطة ولطف ثم سلمتني بطاقات الرحلتين من كوالالامبور إلى الدوحة ومن الدوحة إلى الخرطوم بدون أن تطلب الإطلاع على التذاكر!!
تحركنا من الكاونتر إلى منطقة جوازات السفر ووقفنا أمام أحد الضباط وأسمه "أيمن" لكي يمرر الجوازات عبر الكاشف الضوئي ويضع ختم الخروج على الجوازات مع كلمة "شكراً"، ومن الجوازات وجدنا أنفسنا أمام المترو المتوجه إلى منطقة الانتظار a المقرر قيام رحلتنا منها.
بعد الوصول كان علينا التوجه نحو القاعة 37a المخصصة لطائرتنا وعن لي أن أنظر في الساعة لأجد أننا استغرقنا عشرين دقيقة منذ دخولنا المطار وحتى وصولنا إلى منطقة الانتظار.
أبرز ما يميز مطارا كوالالامبور هو الهدوء الشديد.. فلا صخب ولا ضجيج ولا حركة زائدة، وبإمكان المسافرين الاستمتاع بالمشي على أرجلهم أو ركوب السير المتحرك ووضع الحقائب عليه لتوفير جهد حملها.. وعبر مسافات منتظمة توجد صنابير لمياه الشرب على مستويين للصغار والكبار بحيث لا يحتاج المرء لحمل طفله لكي يشرب من المستوى الأعلى وكل هذه المياه في درجة حرارة معقولة فلا هي باردة ولا هي ساخنة، تذكرت عندها مطاري القاهرة والخرطوم حيث عليك أن تشتري الماء إذا رغبت في الشرب.
كنا قد اشترينا زجاجتي مياه صحية في طريقنا إلى المطار لكن المسؤولين عن قاعة الانتظار رفضوا دخول أي سوائل إلى القاعة فتركناهما عند الباب ودخلنا لننتظر الطائرة بينما أكثر من شاشة تليفزيونية تعرض برامجاً مختلفة لكي يتسلى الناس في انتظار موعد الإقلاع.
قبل الموعد بساعة دخلت القاعة تسع مضيفات ومضيف رجل تحركوا جميعاً إلى الداخل ليعلنوا بعد خمسة عشر دقيقة عن بدء التحرك إلى الطائرة مضيفين أن بإمكان الأسر أن تتحرك أولاً فمررنا عبر الأنبوب والمضيفات المبتسمات إلى باب الطائرة حيث أرشدتنا إحداهن إلى أماكننا لنجد أن كراسينا متجاورة وليست متباعدة كالمرة السابقة.
جاءت المضيفات إلى الطفلتين وتبادلن معهن حديثاً باسماً وأعطين كل منهن حقيبة بها بعض الألعاب وساعدن أمهن في إيجاد الوسائد والأغطية والكيس الصغير الموجود به فرشاة أسنان وأنبوب معجون وسدادات أذن وغطاء للعين وأرشدنها إلى كيفية تشغيل الشاشات الصغيرة الملحقة بكل مقعد لكي تتمكن الطفلتان من رؤية البرامج التي تحببنها.
بعد الإقلاع بفترة وجيزة تم توزيع وجبة العشاء حتى يتمكن الراغبون في النوم من الراحة بينما ظللت أنا مستيقظاً وانتهزت الفرصة لكي أتابع الأفلام الموجودة وأحاول ملء الساعات السبع التي تستغرقها الرحلة إلى الدوحة.
رأيت أفلاماً حديثة للغاية مثل "عودة طرزان" و"يوم الاستقلال الجزء الثاني" التي حققت ضجة إعلامية وإيرادات ضخمة في دور السينما الغربية كما شاهدت ثلاثة أفلام قصيرة لشارلي شابلن وأجزاء من برامج تليفزيونية شهيرة لأجد المضيفة تسألني باعتباري أحد الركاب القليلين المستيقظين عما إذا كنت أرغب في تناول سندويتش فقلت لها أنني أرغب في تناول الشاي فقدمت لي كوباً ومعه السكر والحليب "وليس الكريمة" لأتناول ما يكفيني.
وصلنا إلى مطار الدوحة "مطار حمد الدولي" في تمام الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة فجراً لنجتاز التفتيش في منطقة الترانزيت وندخل إلى نفس السوق الحرة الضخمة التي عرفناها في المرة السابقة، وكعادة النساء سألت زوجتي عن أسعار بعض السلع فوجدتها خرافية إذ بلغ سعر فستان الطفلة الصغيرة ما يعادل سبعة آلاف جنيه سوداني.
المطار ضخم ومزدحم بالمسافرين المتحركين باستمرار عبره إلى دول أخرى ولكل هذا الزحام ضجيج إذا سكتوا فما بالك إذا تحدث بعضهم معاً أو عبر الهواتف المحمولة؛ غير أنه منظم تماماً وفي مسافات منتظمة سيجد المسافر صنابير أو نافورات للشرب وحمامات لقضاء الحاجة وأماكن للصلاة ملحق بكل منها ميضأة وشاشات توضح باستمرار الطائرات القادمة والمسافرة وأرقام القاعات التي يتوجب على المسافرين التوجه إليها.. كما أن هناك قاعات للمدخنين وغرف للراحة للرجال والسيدات وغرف للرضاعة ناهيك عن عدد ضخم من الكراسي في القاعة الرئيسية و400 كرسي في كل قاعة انتظار ومكتب استعلامات واضح للعيان ودكان وحيد يبيع الشيكولاتة والحلوى التي قد يرغب بها الأطفال الذين لا يعرفون ما هو السفر وما هي مشقته.
إذا توقف المسافر عبر مطار حمد لمدة خمس ثوان في مكان واحد فسوف يظهر فوراً رجل يرتدي زياً رسمياً "جاكت أحمر وبنطلون أسود أو جاكت أسود وبنطلون أسود" يحمل جهازاً لاسلكياً في يده ليسأله باللغة العربية أو الإنجليزية عن مشكلته، وفي خلال دقيقة واحدة سوف يقوم هذا المسؤول بحل المشكلة بدون إحالتها إلى جهة أعلى أو الطلب من المسافر الانتظار قليلاً.. والمسافر يتوقف لأن عنده مشكلة صحية أو لا يعرف مكان طائرته وقاعة انتظاره أو لأنه متأخر عن موعد طائرته أو لأنه أضاع رفاقه في السفر وأياً كان السبب فإن المسؤول سيستدعي سيارة أسعاف أو طبيب أو يتأكد من مكان إقلاع الطائرة أو مكان رفاق المسافر أو يحضر له سيارة كهربائية لكي يلحق بموعد الطائرة.
لا يوجد هناك مسؤولو العالم الثالث الذين لا يعرفون أصلاً لماذا هم هنا ناهيك عن الرغبة والقدرة على حل المشكلات.
كان موعد إقلاع طائرتنا المتجهة إلى الخرطوم هو الثامنة وخمسة وأربعين دقيقة أي بعد أربع ساعات من وصولنا فتوجهنا فوراً لأداء صلاة الفجر وبقيت زوجتي وأمها والطفلتين في محل الصلاة حيث نامت الطفلتان قليلاً حتى تم في الساعة السابعة والنصف الإعلان عن موعد قيام طائرتنا والتأكيد على رقم القاعة فتوجهنا فوراً إلى هناك ودخلنا إلى قاعة تعج بالسودانيين وبعض الصينيين العاملين بالخرطوم.
كانت الشمس قد أرتفعت قليلاً في السماء ودخل ضوءها ودفئها إلى القاعة ورأيت مديري الصيني عائداً من أجازته فحياني وزوجتي ثم جاءت أمرأة تحمل كرتونة ثقيلة فحملتها عنها ودعتها زوجتي إلى الجلوس بجوارنا حتى لا تضطر إلى حملها لمسافة بعيدة، بعد قليل دخل مندوب الخطوط القطرية وقال للمرأة أن هذه الكرتونة ثقيلة ولا يمكنها حملها معها "صحبة راكب" وأنه سيضعها ضمن مخزن الحقائب بدون أن يحملها مصروفات إضافية فرحبت المرأة ووضع الرجل العلامات اللازمة على أن نسلمها للمضيفات عند دخولنا إلى الطائرة.
قبل حوالي خمسة وأربعين دقيقة من الإقلاع طلبت منا المضيفات التوجه إلى الطائرة على أن تتحرك العائلات أولاً.. وكالعادة صدرت همهمات وصيحات الاحتجاج من ركاب الشرق الأوسط، ولما كنا العائلة الوحيدة فقد اصطحبنا معنا المرأة صاحبة الكرتونة وتوجهنا في البداية حيث سلمنا الكرتونة للمضيفات اللواتي داعبن الطفلتين وحيينا بكلمة شكراً وساعدن زوجتي كالعادة في العناية بالطفلتين كما ساعدن باقي الركاب في وضع متعلقاتهم وسلمن الطفلتين حقيبتي ألعاب حتى أعلن القائد عن بدء تحرك الطائرة فتحركنا وأنا أراقب مياه الخليج العربي الذي أقيم المطار على ضفته.
حين وصلنا إلى مدرج الإقلاع أعلن الطيار أن أمامنا حوالي ربع ساعة حتى نحلق في الجو فرحت أراقب ممر الإقلاع ووجدت أمامنا 6 طائرات تنتظر دورها بينما اصطف وراءنا طابور من 12 طائرة وكلها تابعة للخطوط الجوية القطرية بينما راحت كل طائرة تدخل ممر الإقلاع وتسير بسرعتها القصوى عبره حتى تحلق في الجو بعد حوالي دقيقة فتدخل أخرى على الفور إلى الممر وتبدأ في السير وهكذا حتى أتى دورنا فحلقنا في الجو وعدلت الطائرة وجهتها نحو الغرب وانطفأ النور الخاص بحزام الأمان وبدأت المضيفات في تقديم لائحة الطعام حتى يتسنى لكل راكب أن يختار مايريد في الإفطار.
بعد الإفطار نام معظم الركاب (وأنا منهم) حيث تستغرق الرحلة إلى مطار الخرطوم حوالي أربع ساعات ولم يكن في الطائرة الصغيرة نسبياً إمكانيات الكمبيوتر الموجودة بالطائرات الأخرى لكي يشغل الركاب وقتهم إذا لم يتمكنوا من النوم.
استيقظت بعد أن دخلت الطائرة المجال الجوي السوداني ولم نستغرق وقتاً طويلاً حتى أعلن الطيار عن بدء هبوط الطائرة تدريجياً لكي نحط في مطار الخرطوم وبدأت الطرق والمزارع والبيوت وحتى أعمدة الكهرباء تتضح شيئاً فشيئاً وبدأنا نميز كوبري المنشية وشارع المطار والمدرج الوحيد ثم الهبوط السلس للغاية.
أعلن الطيار عن هبوط الطائرة وطلب من الركاب البقاء في أماكنهم والاحتفاظ بأحزمة الأمان مربوطة حتى تتوقف الطائرة نهائياً وهو الأمر الذي لا يمكن تنفيذه حيث يقوم كل الركاب تقريباً ويبدأون في حمل حقائبهم والوقوف في انتظار فتح الأبواب وكأنما هي المباراة الختامية لأسرع من يصل إلى الجوازات، ومن الصف الذي يقع خلفي مباشرة صرخ رجل "يا زول ما ترمي الشنط كده!!".
كان عمال مطار الخرطوم قد بدأوا في تفريغ الحقائب من الطائرة وكانوا يرمون هذه الحقائب بدون أدنى اعتبار للعلامات التي تحملها أو لما يمكن أن ينكسر بداخلها، ونظر ركاب كثيرون من الطائرة ليتأكدوا أننا وصلنا إلى السودان حيث لا اعتبار ولا اهتمام.
نزلنا من الطائرة وركبنا الأتوبيس وتحركنا نحو مباني المطار حيث الجوازات وقدمنا للضباط المهذبين الاستمارات التي ملأناها في الطائرة فختموا لنا جوازاتنا بختم الدخول وخرجنا إلى السير الكاشف حيث وضعنا معاطف البنات وشنطة الجوازات والجوال والمفاتيح والحذاء وأستعدناهم عند الطرف الآخر لنجد مكتباً يجلس عليه موظفا أمن طلبا منا الجوازات لكي يراجعوها فسلمناها لهما وكأن "المشرحة ناقصة ميتين" كما يقول المصريون؛ فصالة الوصول ضيقة للغاية ولا تتحمل وضع ثلاجة مياه (كولر) فما بالك بتعطيل مسافرين خرجوا لتوهم من رحلة استغرقت نصف يوم وختموا جوازاتهم قبل عشر خطوات؟
وجدنا شقيق زوجتي في انتظارنا فتحركنا إلى السير المتحرك لنتسلم حقائبنا حيث اكتشفت أن كل الركاب هم مثلي لا يمكنهم التعرف بسهولة على حقائبهم ولا تذكر عددها وكنا جميعاً نسحب الحقيبة من السير ثم ننظر إليها جيداً لنقرر أنها ليست حقيبتنا ونعيدها إلى السير، وأحياناً يعيد المرء حقيبته إلى السير وينتظر أن تأتيه حقيبة أخرى لا يتذكر جيداً شكلها ولا لونها.
استلمنا حقائبنا ووضعناها في السيارة وتوجهنا إلى الموردة حيث كانت لدى الطفلتان حكايات كثيرة تحكيانها لأبنة الجيران ولزوجتي جلسة طويلة من أجل تفريغ الحقائب وتوزيع الهدايا ولنسيبتي فرصة للكلام باللغة العربية بعد أسبوعين من الكلام بلغة لا تعرف رأسها من قدمها بينما أخذت أنا دشاً ونمت نوماً عميقاً في الغرفة الداخلية لأعوض الليلة التي قضيتها بدون نوم.
ما زالت طفلتاي حتي اليوم تتذكران ماليزيا وتتحدثان عنها مع زميلتاهما وأصدقاءهما في المدرسة وفي الحي وتسألانني متى نعود إلى هناك فأطمئنهما بأننا سنعود حين تأتي فرصة أخرى، وهما تجلسان أحياناً لكي تستعيدا الذكريات مع الصور والفيديوهات الموجودة في الأي باد وتصرخان بفرحة وتناديانني أنا وأمهما لكي نتذكر معهما أين التقطنا هذه الصور.
قبل أن نرزق بالطفلتين اصطحبت زوجتي أختيها معنا في رحلة إلى القاهرة وقالت لي أنها تريد أن يعرفا كيف يسير العالم ويفكر ويتحرك من حولنا وألا تكون كل معارفهما منحصرة فيما رأتاه في السودان، ولقد تزوجت إحداهما من أحد أبناء الجالية بالقاهرة وهي تقيم هناك الآن.
ما قدمناه لطفلتينا لن يبارح مخيلتهما أبداً فقد قدمنا لهما المعرفة وأتحنا لهما الفرصة لكي تتعرفا على بيئات جديدة ومجتمعات جديدة وأفكار وأساليب وطرق جديدة للحياة حتى يمكنهما في المستقبل اتخاذ قراراتهما بناءً على معرفة أوسع وتجارب أعمق وأشمل، وهو نفس ما قدمناه لأنفسنا أنا وزوجتي وما أتمنى أن يتمكن كل أب وأم في العالم من تقديمه لأطفالهما.
تجربة السفر والمعرفة والخبرة والقدرة على المقارنة مع مشاهدات حقيقية ومجتمعات مختلفة وبيئات مغايرة ومفاهيم متعددة هو ما طمعنا في تقديمه لطفلتينا بالإضافة إلى المتعة التي لا يمكن للأطفال أن يتعلموا بدونها.
ولو أتيحت لي فرصة أخرى للسفر إلى بلاد أخرى مختلفة فلن أتأخر في اصطحاب أسرتي كلها لكي أقدم معرفة جديدة وتجربة جديدة وخبرة جديدة لنفسي ولزوجتي وللطفلتين.
حان وقت تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،
آخر تعديل احمد حسن بيك يوم 02-28-2017 في 03:45 PM.
رد مع اقتباس
قديم 03-09-2017, 12:10 PM   رقم المشاركة : 1044
معلومات العضو
عضو متميز
 
الصورة الرمزية محمد عوض عثمان
 
 

إحصائية العضو









محمد عوض عثمان is on a distinguished road

محمد عوض عثمان غير متواجد حالياً

افتراضي


السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الأخ الفاضــــل / أحمد حسن بيك

حمداً لله على سلامة العوده
وإقامة طيبة بالوطن الحبيب
و نتمنى لكم و الأسرة الكريمة
رحلات أخري قريبه
لنستمتع معكم بتفاصيل
جولاتكم الشيقه

و لكم تحياتي و مودتي



















التوقيع


دع المقـــادير تجــرى فى أعنتـــــها
ولا تبـــيتن إلا خــــالى البـــــــــــــال
ما بين غمضة عـين وإنتباهتـــــــــها
يغيــــر الله من حــــال إلى حـــــــال
رد مع اقتباس
قديم 03-21-2017, 03:28 PM   رقم المشاركة : 1045
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

عزيزي محمد عوض.. صباح الخير،،،
شكراً جزيلاً على التواجد عند الكيس والمشاركة.. ستظل الرحلات مصدراً خصباً للمعرفة والكتابة تجذب يومياتها القراء من كل مكان وفي كل وقت ممثلة أدبها الخاص "أدب الرحلات" الذي أتمنى أن أصل فيه لمستوى يقارب مستوى أستاذنا "أنور محمدين" سواء في كتاباته عن رحلاته في السودان أو خارجه.
في أواخر القرن الماضي (النصف الثاني من عقد التسعينيات) كتب باحث وخبير مصري عن العولمة التي بدأت بشائرها في الظهور وراح الكثير من الصحفيين والإعلاميين والسياسيين يستغلون أسمها لكي يكسبوا مواقع جديدة لدى الجماهير.
قال الرجل أن العالم الثالث سيعاني بشدة (دولاً ومؤسسات ورجال أعمال وأفراد) نتيجة جهل مسؤوليه وانعدام كفاءتهم وضعف مؤسساته وعدم قدرته على مواكبة الواقع وسيؤدي ذلك إلى إنهيار مفهوم سيادة الدولة بشكله القديم لتحل محله العولمة الخاضعة لمفاهيم وقيم وأسس ليس بإمكان هذا العالم الاستفادة منها.
لن يعود بإمكان الدول التنصل من مسؤولياتها أو الاستنجاد بعلاقاتها بالدول الكبرى لكي تحصل على المعونات أو القروض من الدول أو البنوك ثم لا تردها، ذلك أن الشركات والبنوك الكبرى ستلجأ للقضاء حسب نصوص الاتفاقيات بينها وبين الدول الفقيرة والذي سيكون دائماً في أوربا وبالأخص في سويسرا حيث ستتكلف الدول الفقيرة مبالغ طائلة من أجل تسفير وإقامة وإعاشة وفودها المتابعة للقضايا المرفوعة عليها ومبالغ أكبر في حالة تكليف مكتب محاماة دولي بمتابعة تلك القضايا.. ونتيجة لذلك فإن معظم الأحكام ستكون لصالح البنوك والشركات الكبرى التي ستحمل هذه الأحكام إلى حكوماتها لتساعدها في تنفيذها وتحصيل حقوقها من تلك الدول وصولاً إلى الحجز على أرصدة وأصول تلك الدول بالخارج وفاءً لمستحقات هذه الشركات والبنوك.
في الوقت نفسه فإن الشركات ورجال الأعمال والبنوك الذين ينتمون إلى الدول الفقيرة ولا يجدون سنداً أو عضداً في العالم الأول سيكون عليهم أن يقبلوا خسارتهم في الحالتين؛ فإما خسارة القضايا أمام القضاء أو الفوز بحكم قضائي لا يستطيعون هم ولا دولهم إجبار الدول والشركات والبنوك الكبرى على تنفيذه إلا وفق شروطهم هم وظروفهم هم ورغبتهم هم.. وإلا فهل سيستطيع رجل أعمال أو دولة من العالم الثالث الحجز على أرصدة الدول والبنوك الكبرى وفاءً لديونه وأحكامه القضائية ضدها؟ّ!
لم يبد أن نصيحة الرجل قد لقيت الاهتمام الكافي من المسؤولين في الحكومة المصرية، وعلى مدى السنوات التالية تعرضت الحكومة المصرية لأكثر من قضية تعويض خسرت معظمها ودفعت ملايين الدولارات لخصومها في تلك القضايا.
ومنذ العام 1998 وحتى العام 2011 سددت الحكومة المصرية 224 (مائتان وأربعة وعشرون مليون دولار) كتعويضات للمستثمرين بينما ما تزال قضايا أخرى مرفوعة حتى اليوم بمبالغ طائلة تنتظر الحكم. (42 مليار دولار بحسب مراكز صحفية وقانونية).
وبعد 25 يناير 2011 فإن ما حذر منه الباحث (جهل المسؤولين وانعدام الكفاءة وضعف المؤسسات) مُضافاً إليه انعدام حس المسؤولية لدى السياسيين قد جر مصر إلى ساحات القضاء الدولي أكثر من مرة مكلفاً الخزينة المصرية ودافع الضرائب المصري ملايين الدولارات التي توفرها الحكومة وسياسييها وتقنييها من قوته ودعمه وراحته وصحته.
بعد سقوط نظام مبارك قررت الوزارة المؤقتة أنها لن تستمر في ضخ الغاز إلى إسرائيل، وهلل الجميع لهذه الخطوة معتبرين إياها انتصاراً عربياً على "الكيان الصهيوني". غير أن شركة "غاز شرق المتوسط "الإسرائيلية لم تصفق مع المصفقين ولم تهلل مع المهللين ولم تقبل بخسارتها وتوجهت مباشرة إلى ساحة القضاء وحصلت على أكثر من حكم قضائي بتعويضها بمبالغ تصل إلى 1.7 مليار دولار (مليار وسبعمائة مليون دولار) سعت الحكومة المصرية لتخفيضها عبر مفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية لكي يستبدل الطرفان موقعيهما وتقوم إسرائيل هذه المرة بتصدير الغاز لمصر وتخفيض قيمة التعويض إلى 865 مليون دولار تُدفع على أربعة عشر شهراً.
وفي العام 2012 صرح "د. عصام العريان" أحد أقطاب الحكومة الأخوانية وقتها عبر لقاء تليفزيوني "إن من حق اليهود الذين خرجوا من مصر في أيام عبدالناصر أن يطالبوا بتعويضات عن ممتلكاتهم التي تركوها خلفهم"، كان "العريان" ينتقم من عبدالناصر والناصرية والاشتراكية وكل ما له علاقة بها.. لكن تصريحاته وصلت إلى إسرائيل وإلى الهيئات الصهيونية المختلفة التي بدأت بصبر ومثابرة في البحث عن مستندات وأدلة وشهادات تضيفها إلى الدليل الأساسي الذي وصلها مجاناً عبر أحد أكبر مسؤولي الحكومة المصرية وقتها.
في العام 2015 ونتيجة الإهمال المتفشي في المطارات المصرية تم زرع قنبلة في طائرة ركاب روسية لتنفجر فوق سيناء ويموت جميع ركابها البالغ عددهم 217 راكباً وطاقمها المكون من 7 أشخاص.
رفضت الحكومة المصرية كافة السيناريوهات التي طرحها خبراء الطيران والإرهاب حتى تبين أخيراً أن الانفجار تم بواسطة قنبلة تم زرعها داخل الطائرة، وبات على الحكومة المصرية مواجهة قضايا تعويضات بمئات الملايين من الدولارات من ذوي الضحايا ومن ملاك الطائرة ومن شركة التأمين علاوة على خسارة مئات الملايين الأخرى نتيجة توقف السياحة الروسية وخوف باقي الجنسيات من التعرض لنفس الإهمال والإرهاب.
يتوقع الخبراء أن تدفع مصر 500 (خمسمائة ألف دولار) عن كل ضحية بالإضافة إلى التعويض عن قيمة الطائرة.
وفي سبتمبر 2015 تعرضت قافلة تضم سياحاً مكسيكيين لغارة جوية من الجيش المصري أثناء قيامها برحلة سفاري في الصحراء الغربية نتيجة عدم إبلاغ شركة السياحة للجهات المسؤولة عن تنظيمها للرحلة، فقامت المروحيات المصرية بمهاجمة القافلة المجهولة على اعتبار أنها تضم إرهابيين في طريقهم لتنفيذ إحدى عملياتهم.
مات في الحادث 8 سياح مكسيكيين و4 من المصريين، وقامت غرفة السياحة المصرية (الشركات غير الحكومية) بتعويض ذوي ثلاثة من الضحايا بمبلغ 140 (مائة وأربعين ألف دولار) لكل ضحية بمجموع 420 ألف دولار، بينما رفض ذوو الضحايا الخمسة الآخرين التعويض وأعلنوا أنهم سيلجأون للقضاء.
في كل الحوادث السابقة وغيرها تحققت نبوءة الباحث المصري (الذي لا يحضرني أسمه للأسف) وانتصرت العولمة على "جهل المسؤولين وضعف المؤسسات وانعدام الكفاءة وعدم القدرة على مواكبة الواقع"، لكن هذا الانتصار لم يؤد إلى مزيد من الوعي والقدرة والكفاءة والعلم.. لقد تم للأسف على حساب معيشة الشعب البسيط بينما لم يتعرض مسؤول واحد للعقاب أو المحاكمة.
بلغ عدد قضايا التعويضات المرفوعة على مصر في المحاكم الدولية 28 قضية منذ 1998، منها 19 قضية منذ 2011، وبذلك احتلت مصر المركز الخامس دولياً في عدد قضايا التعويضات المرفوعة ضدها.
على الجانب الآخر فإن الدول الغربية والبنوك والشركات الكبرى تستغل نفس الآلة القضائية لمنع الدول الفقيرة من استرداد الأموال التي نهبها مسؤولوها وأودعوها بنوك واقتصادات الدول الغنية؛ ذلك أن على الدول الفقيرة أن تحصل على حكم قضائي بأن المسؤولين السابقين قد حصلوا على هذه الأموال بشكل غير قانوني.. فإذا ما حصلت على الحكم من محاكم بلادها رفضت الدول الغنية تنفيذ الحكم بحجة أن القضاء في الدول الفقيرة يفتقر للاستقلال والحياد وطلبت من الدول الفقيرة الحصول على أحكام جديدة من محاكم الدول الغنية.. وسوف تستغرق هذه القضايا سنوات عديدة (قد تزيد عن العقد) ليتم الحكم فيها حيث سيطلب القضاة باستمرار إثبات كل مبلغ بمفرده وليس المجموع مرة واحدة مما يؤدي إلى استنزاف ثروات الدول الفقيرة في توكيل محامين دوليين وتكاليف سفر وإعاشة مندوبيها في هذه الدول الغنية.. وبعد كل هذه السنوات فإن الحكم غير مضمون.
طوال هذه السنوات فإن هذه الأموال تستمر في دورتها الاقتصادية جالبة للدول الغنية المزيد من المال والثروة والرفاهية والخدمات الاجتماعية والصحية والثقافية لشعوبها، بينما تستمر أكاذيب السياسيين في تغذية أوهام شعوب الدول الفقيرة وتخديرهم في انتظار أمر هو من رابع المستحيلات.
فإذا حدثت المعجزة وتم الحكم بأحقية الدول الفقيرة في استرداد هذه الأموال فإن على الدول الفقيرة الدخول في مفاوضات مضنية مع بنوك وشركات كبرى مدعومة من دول قوية (برغم أنها فعلياً لا تحتاج هذا الدعم) لكي تتم جدولة مستحقاتها وضمان حصولها عليها بالقطارة حتى لا تتعرض الاقتصادات الغربية في أي من فروعها لأي هزة.
يتعرض السودان اليوم لنفس ما تتعرض له باقي الدول الفقيرة من اتفاقيات مجحفة يعقدها مسؤولوه مع شركات وجهات مشبوهة تكبل الاقتصاد والدولة السودانية لعقود طويلة تصل في بعضها إلى قرن كامل (99 سنة)، ويتم توقيع هذه العقود بسرعة مذهلة بدون النظر إلى الالتزامات القانونية والمادية الواقعة على الدولة بحيث لا يمكن لأي حكومة قادمة التخلص من هذه الإتفاقيات والالتزامات بدون التعرض لتكاليف اقتصادية ضخمة.
وفي حين تتقاعس هذه الشركات والجهات عن تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاقيات فتستورد شتول نخيل مصابة بفطر معد أو لا تلتزم بقواعد دفن النفايات النووية ..إلخ فإن الحكومة السودانية لا تتخذ أي إجراء لحماية مصالحها ومصالح الشعب السوداني فتوقف العمل بهذه الاتفاقيات المجحفة وتلزم تلك الشركات والجهات بإصلاح الخسائر وتعويض المتضررين أو تلجأ للقضاء لإجبارها على ذلك.
والمؤسف في الأمر أن الحكومة وهيئاتها ومؤسساتها ووزاراتها تعقد اتفاقيات سرية وشبه سرية مع أطراف مشبوهة أو غير مؤهلة وأن الشعب السوداني يكتشف هذه الأمور بالصدفة البحتة ليجد أن مستقبله ومستقبل أولاده مكبل بما لم يتم استشارته هو أو برلمانه غير المنتخب فيه وأن أي حكومة قادمة لن يمكنها التنصل من هذه الاتفاقيات التي تقف وراءها رؤوس أموال ضخمة ومكاتب محاماة شرسة ومصالح لا يُعرف أولها من آخرها.
وإذا كنا نعرف اليوم أن الشاطئ الشرقي للنيل الأزرق ستحتله شركة "ديار" القطرية بمشروعها الفخم وأن الشاطئ الغربي ستحتله شركة "أبو ظبي الوطنية للاستثمار" التي اشترت الفلل الرئاسية وأجرتها للسفارة الأمريكية لمدة عشر سنوات وأن شركة "أمطار" ستقوم بزراعة مائة ألف فدان بالشمالية لمدة 99 سنة ؛ فإننا نعرف أيضاً أن هذه الحكومة ومسؤوليها قد عقدوا اتفاقات أخرى تاركين لنا مهمة اكتشافها حين نتعثر فيها.
وسواء كان السبب في هذه الاتفاقيات هو انعدام الشفافية أو عدم كفاءة المسؤولين أو ضعف المؤسسات أو الفساد فإن النتيجة لن تتغير وستبقى دائماً خصماً على مستقبلنا ومستقبل أولادنا ومستقبل هذا البلد.
وحتى لا يتكرر ما حدث لدول أخرى فإن على منظمات المجتمع المدني استنفار أعضائها من القانونيين لبيان عوار هذه الاتفاقيات والسعي لدى المجتمع الدولي لإبطالها تحت كافة العلل والذرائع وحماية حاضرنا ومستقبلنا من نتائجها المدمرة.
لم يعد بإمكان أحد اليوم أن يتذرع بالسيادة الوطنية لنزع ملكية أو إلغاء إتفاقية أو مصادرة ممتلكات، كما لم يعد بإمكان تصفيق وهتاف وحماس الشعوب أن يحمي مثل هذه القرارات.
تحتاج البنوك والشركات والدول الكبرى لمن يدير أموالها بدلاً من بقاءها لديها وتأثيرها بالسلب على الاقتصاد العالمي، وهي تسعى باستمرار لإغراء الدول الفقيرة ومسؤوليها وسياسييها وتشجيعهم للاقتراض منها بضمانات مكبلة ومحكمة تؤثر بالسلب على حاضر ومستقبل الدول الفقيرة.. وهي تجد دائماً من مسؤولي وسياسيي الدول الفقيرة من يستجيب لهذا الإغراء.
وحين نكتشف فجأة أن الأرض التي نزرعها لم تعد ملكنا وأن المنزل الذي نقطنه لا تشفع لنا فيه "شهادة البحث" وأن الشركة التي أنشأناها تخضع لاتفاقيات لم نسمع عنها من قبل.. ساعتها لن يعود بإمكاننا أن نحمل جوازات سفرنا ونتجه إلى سويسرا لكي نكلف مكتب محاماة دولي بالبحث عن حقوقنا، كما لن يكون بإمكاننا البحث عن المتسببين في هذا الخراب لنحاسبهم حيث سيكونون هم وأولادهم وأحفادهم يتمتعون بثمرة هذه الاتفاقيات وبحماية جوازات سفرهم الأجنبية وبعلاقات واسعة مع عشرات المنظمات الطوعية والحكومية وغيرها تتيح لهم الإفلات من أي عقوبة.
حان وقت تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،



رد مع اقتباس
قديم 04-23-2017, 02:20 PM   رقم المشاركة : 1046
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

اعتدت منذ قدومي للسودان قبل حوالي عشر سنوات أن اتجهز لكل تعامل مع أي جهاز حكومي بما يشمله هذا من تجهيز كافة الأوراق اللازمة والسؤال عن أفضل منفذ لأداء الخدمة والبحث عن واسطة يمكنها اختصار وقت بعض الإجراءات وليس كلها وأخذ أجازة من العمل تحسباً لضياع يوم أو أكثر في هذه الإجراءات والمبيت في أم درمان أو الخرطوم والاستيقاظ قبل أذان الفجر لكي أجد مكاناً في الطابور قبل أن تنفذ الاستمارات وأحياناً تبيت معي إحدى بناتي أذا كانت الخدمة لإحداهن أو الأسرة بكاملها في حال كانت الخدمة تشملنا جميعاً.
ولما كنا نستعد للسفر إلى مصر خلال رمضان المقبل فقد راجعت جوازات السفر ووجدت أن جواز سفر طفلتي الصغيرة "سمر" سينتهي في أكتوبر القادم بما يعني أنه لن يتيح لها فرصة دخول مصر لانعدام شرط الصلاحية لستة شهور وأكثر وأن علينا استخراج جواز سفر جديد لها.
كنت قد عانيت بشدة حين استبدلت جوازاتنا أنا وزوجتي وطفلتي الكبرى "ستنا" لانقضاء مدتها قبل عامين، وبرغم وجود "الواسطة" إلا أنني احتجت للذهاب إلى المنفذ لأكثر من مرة وتضييع أكثر من يوم من أجازاتي لإتمام المهمة.. ومع خبرة كهذه كان استخراج جواز سفر جديد أمراً مؤرقاً.
بدأت في تصوير الأوراق التي أظنها ضرورية لاستخراج جواز جديد (الرقم الوطني والجواز القديم والرقم الوطني الخاص بي وجواز سفري وشهادة ميلاد الطفلة) وسألت أكثر من شخص عن أفضل مكان لتنفيذ الخدمة وعن معارفهم ومعارفنا هناك لكي أوفر على نفسي وطفلتي عذاب الانتظار والمبيت خارج المنزل.
يعمل شقيق زوجتي بالخطوط الجوية السودانية ولديه معارف كثيرين بأم درمان حيث يقيم وكان من الطبيعي أن أسأله، وقد طلب مني أن أتوجه فوراً إلى مجمع الجوازات الجديد بأم درمان صباح السبت لكي استخرج جواز السفر.
السبت ليس يوم عمل؟ أنهم يعملون يوم السبت، هل لديك معارف هناك؟ لا يحتاج الأمر إلى معارف، أليس هذا هو نفس حوش الجوازات القديم؟ كلا.. لقد بنوا ثلاث مجمعات جديدة بكل من الخرطوم وأم درمان وبحري لتقديم كافة الخدمات إلى الجمهور.
قالوا الجمل طلع النخلة.. أدي الجمل وأدي النخلة؛ عليه فقد توجهت مع أسرتي إلى الخرطوم مساء الجمعة ومعنا كل الأوراق اللازمة وحرصنا على أن تنام الطفلتان مبكراً لكي نتمكن من إيقاظهما مبكراً واللحاق بطابور الجوازات قبل أن تبدأ الاسطوانة المعروفة: الاستمارات كملت.. تعالوا بكرة.. انتظروا شوية يمكن يسمحوا ليكم بالدخول.. رسلوا يجيبوا استمارات تانية وما معروف تجي متين.. الشبكة وقعت.. الكهرباء قطعت...إلخ.
استيقظت قبل الأذان وأيقظت زوجتي لنشرب الشاي سوياً ونخطط لهذا اليوم الهام في تاريخ الأسرة ونضع كافة الاحتمالات (السيئة بالطبع) ومعها النصائح بأن أتحكم في أعصابي ولا أسمح للتفاهات بأن تخرجني من طوري "وهل يخرج الإنسان السوي من طوره إلا التفاهات؟".
أيقظنا الطفلة حوالي الساعة السابعة لتأخذ حمامها وتحتج على تسريحة شعرها طالبة ثلاثة ضفائر بدلاً من أثنتين وتشرب اللبن وتنظر باستعلاء إلى الملابس المعروضة عليها لتختار ما يعجبها، وبعد مباراة طويلة من الاعتراضات والبكاء وضعت يدها في يدي وتوجهنا إلى الشارع في تمام الساعة الثامنة صباحاً لنستقل "الركشة" إلى حوش الجوازات الجديد.
كان الشارع خالياً فاليوم السبت أجازة حكومية والناس مصابة بإحباط مزمن يمنعها من فتح دكاكينها مبكراً مما ساعدنا على إيجاد ركشة بسهولة اقلتنا إلى مجمع الجوازات الجديد.
سارت الركشة في طريق حوش الجوازات المألوف لدينا ثم تحرك في إتجاه آخر ليصبح "خور أبو عنجة" على يساره متوجهاً نحو مبنى من ثلاث طوابق علوية وطابق أرضي ويقف على الرصيف المقابل للمبنى حيث أن وقوف السيارات أمام المبنى ممنوع، نزلنا من الركشة وحاسبته وقطعنا الطريق إلى البوابة الأنيقة النظيفة وعليها أثنان من الحرس ومنها إلى حوش واسع خال من السيارات لنواجه مبنى مجمع الجوازات الجديد وعدد محدود من الجمهور يتحركون داخلين إليه.
على يسار الداخل هناك لوحة كبيرة أنيقة توضح الإدارات المختلفة داخل المبنى ومكان كل منها، وعلى اليمين هناك مكتب استعلامات عليه عدد كبير من العاملين الذين يوجهون الجمهور كل إلى مكانه ويرتدي كل هؤلاء العاملين حللاً متشابهة (رجال الأمن ورجال البوليس والموظفون المدنيون) وقد وجهونا حين سألناهم لنركب المصعد ونتجه إلى الطابق الأول.
في الطابق الأول هناك مكتب استعلامات يوجه الجمهور إلى أماكن الخدمة "استخراج جواز جديد، استلام الجواز، استخراج جواز بدل فاقد، جوازات رجال الأمن والشرطة والجيش، جوازات المغتربين...إلخ" وقد توجهنا إلى مكتب استخراج الجوازات حيث حصلنا على رقم أعلنت الشاشات الإليكترونية فوراً عن الشباك الذي سنتوجه إليه وهناك تأكدوا أن الطفلة لديها جواز سفر سابق وأنها غير ممنوعة من السفر وأعطونا استمارة مطبوعة وطلبوا منا التوجه إلى ضابط الجوازات برتبة مقدم لكي يصدق على الاستمارة ودفع الرسوم.
كان الضابط يعمل منفرداً وأمامه في الصالة الواسعة كان هناك ست صفوف من الكراسي بكل صف عشرة كراسي لينتظر عليها طالبو الخدمة، وقد انتظرنا حوالي ربع الساعة قبل أن يأتي ضابط آخر برتبة عقيد ويشاركه في التصديق على الاستمارات وكان من حظي أن دوري قد حان مع وجود هذا الضابط الجديد.
قرأ الضابط الاستمارة بسرعة وسألني "أين هي سمر؟" فحملتها وأجلستها على الكرسي أمامه فداعبها قليلاً ثم طلب "الختامة" لكي أبصم على الاستمارة بموافقتي على استخراج جواز سفر لها، وبعد أقل من دقيقتين كنت خارج الصالة متوجها إلى صالة دفع الرسوم وتصوير طالبي جوازات السفر.
كانت صالة دفع الرسوم والتصوير أكبر من الصالة الأخرى وقد استقبلنا عند الباب موظفون يرتدون زياً موحداً وأرشدونا إلى الخزينة رقم واحد لكي نسدد الرسوم حيث اكتشفت أن هناك أربع خزائن تعمل في استلام الرسوم فقط للتسهيل على المواطنين وتوفير وقتهم.
سددنا الرسوم وتوجهنا إلى محل التصوير حيث أرشدونا إلى الكاميرا رقم (42)!! نعم هناك 42 كاميرا تعمل على تصوير طالبي جوازات السفر وعلى كل منها فنيان، بعض هؤلاء الفنيين يرتدي الملابس العسكرية وبعضهم يرتدي أزياء مدنية موحدة.
رفضت طفلتي أن تضع ضفائرها خلف رأسها لكي يتمكن المصورون من التقاط صورة واضحة لوجهها وأصرت على أن تكون صورتها مع الضفائر الثلاثة وبعد مباحثات مطولة مع الفنيين اللذين يبدو أنهما متخصصان في التقاط صور الأطفال وافقت على أن يلتقطوا لها صورتين إحداهما مع الضفائر والأخرى بدونها واختيار الصورة المناسبة للجواز من بين الصورتين.
طلب الفنيان مني إيصال سداد الرسوم وسجلا عليه موعد استلام جواز السفر الجديد بعد ثلاثة أيام، وخرجت مع طفلتي إلى الشارع وأنا لا أصدق أن الإجراءات في السودان قد أصبحت بهذه السهولة,
عند البوابة قرأت لوحتين تذكاريتين تقول إحداهما أن وزير الداخلية ووالي الخرطوم قد وضعا حجر الأساس في العام 2016 وتقول الثانية أنه قد تم افتتاح هذا المجمع بحضور والي الخرطوم ووزير الداخلية في 2 مارس من العام الحالي.
عدنا إلى البيت في تمام الساعة التاسعة والنصف لتستقبلنا نظرات زوجتي المندهشة من عودتنا المبكرة وأسئلتها المتوالية عما فعلناه، فطمأناها بأننا قد انتهينا وسوف نتسلم الجواز الجديد بعد ثلاثة أيام بينما توجهت الطفلة إلى الداخل لكي تطمئن على أختها وتحكي لها عما فعلته في مجمع الجوازات وكيف صوروها وماذا قال لها العسكري الذي صورها.. أما أنا فقد جلست لأشرب كوباً من الشاي بمزاج بدلاً من الشاي الذي شربته في الصباح على عجل وعلى قلق.
عدت بعد أسبوع لكي أتسلم جواز السفر الجديد وأقرأ بهدوء اللافتات الموضوعة في مداخل الأدوار وفي كل مكان لاكتشف أن المجمع يقوم بكافة الخدمات "استخراج الرقم الوطني والبطاقة الشخصية الإليكترونية وجوازات السفر وتأشيرات الخروج ورخص القيادة وأشياء أخرى كثيرة".
استلمت الجواز وعدت إلى المنزل في الموردة ماشياً على قدمي وأسلم جواز السفر لزوجتي الفرحة والطفلة التي نسيت أمر صورتها وبدت فرحة وفخورة بجواز سفرها الجديد، وفجأة قامت زوجتي على وتوجهت إلى الغرفة حيث ارتدت ملابسها وحملت حقيبة يدها وقالت أنها ذاهبة لاستخراج رخصة القيادة من هناك.
بعد ساعة واحدة عادت زوجتي وهي تحمل رخصة قيادة جديدة بعد أن ظلت لأكثر من شهرين تسوف وتفكر كيف ستتمكن من الحصول على إجازة ليومين تنهي فيهما إجراءات الرخصة، ولأن الأمر غريب ولم يحدث من قبل في السودان.. ولأنه مفرح أيضاً فقد سألتها وسألها عمها وعمتها وأخوها عشرات الأسئلة وتناولنا الرخصة لنتفحصها أكثر من مرة.
كنا كأطفال اكتشفوا فجأة حديقة جديدة مليئة بالألعاب بجوار منزلهم بدلاً من انتظار الكبار لكي يأخذوهم بالسيارة إلى حدائق أخرى بعيدة وما يصحب ذلك من تحكم الكبار وأوامرهم، وهم – الأطفال- يتأكدون بفرحة مبالغ فيها من كل المعلومات والمشاهدات التي رآها أحدهم في ذلك المكان.
لقد اكتشفت الحكومة السودانية أخيراً – وبعد نصف قرن من الاستقلال – أن من الممكن إنجاز كل شئ في مكان واحد وبتكلفة مادية وزمنية مناسبة وباحترام كامل لآدمية البشر وتسخير التكنولوجيا بكافة أنواعها وأشكالها من أجل هذا.
يأخذ معظم السودانيين أجازة يوم السبت.. إذن فلتعمل هذه الأجهزة في يوم عطلة المواطنين حتى لا يضطروا إلى أخذ أذن على حسابهم من أجل إنهاء معاملاتهم الحكومية، وليتم اختصار الإجراءات حتى لا يتعطل المواطن ويفقد وقته وأعصابه، وليتم تجهيز مكان مناسب ومنافذ كافية لكي لا يحدث تكدس يؤذى المواطنين وأطفالهم القادمين معهم.
قالوا لي أن المجمع يعمل وردية مسائية طوال أيام الأسبوع بما فيها الجمعة لكي يتم استخراج تأشيرات الخروج للمواطنين، وبهذا فإن الحكومة قد وفرت على المواطنين يوماً كانوا يقضونه لاستخراج جواز السفر ويوماً آخر يقضونه لاستخراج تأشيرة الخروج وأياماً أخرى كانوا ينفقونها لإنجاز أي معاملة حكومية فيما ينطبق عليه المثل "الداخل مفقود والخارج مولود" وبحيث تقف الأمهات والزوجات في وداع أولادهن وأزواجهن داعيات لهن بالعودة سالمين.
نحن نستطيع أن نفعل هذا كما تفعله الدول المتقدمة.. بل لقد فعلناه فعلاً وشهد شهود استفادوا من هذه التسهيلات، وبإمكاننا أن نتقدم خطوات وخطوات بحيث يتم إلغاء تأشيرة الخروج واستخراج جواز السفر وباقي المستندات الثبوتية من أقرب نقطة شرطة وفي أي وقت من النهار أو الليل وباحترام كامل لآدمية الإنسان السوداني ووقته والتزاماته.
هذا تطور في نظرة الحكومات السودانية إلى الإنسان السوداني واعتباره كائناً حياً له مشاعر والتزامات عملية واجتماعية عليه تأديتها لا تضييع وقته في أمور يمكن تأديتها ببساطة كاملة وبدون أي ضغط على هذا الكائن الحي، وكل ما نرجوه أن تستمر هذه النظرة وهذا الإنجاز وهذه المجمعات فلا يطغى عليها التراب والبيروقراطية وعديمو الكفاءة وناقصو التأهيل.
ليست هناك حاجة اليوم لتناول البلح والليمون إلا لتفادي حرارة الجو الخانقة ونقصان السوائل في الجسم.
وتصبحون على خير،،،

رد مع اقتباس
قديم 04-24-2017, 07:37 AM   رقم المشاركة : 1047
معلومات العضو
عضو متميز
 
الصورة الرمزية محمد ضرار خيري
 
 

إحصائية العضو







محمد ضرار خيري is on a distinguished road

محمد ضرار خيري غير متواجد حالياً

افتراضي

بارك الله فيك اخي العزيز احمد بيك نادرا ما أقرأ أو أسمع عن السودان خبر مفرح لكن حقيقة بقليل من الجهد والاصرار يمكن أن نكون في مصاف الدول المتحضره لا فرق بيننا وبينهم الا الاصرار والعزيمه هنالك كثيرا من الأمور لا تحتاج الى امكانيات كبيره بقدر ما تحتاج لنوع من المصداقيه والانضباط ونتمنى أن يستمروا بنفس المستوى

رد مع اقتباس
قديم 05-24-2017, 03:06 PM   رقم المشاركة : 1048
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

عزيزي محمد ضرار.. صباح الخير،،،
وكل عام وأنت والأسرة وجميع المنتدين بخير وعافية، أعاده الله علينا جميعاً بالخير واليمن والبركة.
لاحظت أثناء متابعتي لقناة "ناشيونال جوجرافيك أبو ظبي" إعلاناً عن شركتي أمطار للتنمية الزراعية وجنان واللتان تقومان بتنفيذ مشروعات زراعية ضخمة في شمال السودان.
الإعلان مصمم على شكل مادة توثيقية كالتي يتم تقديمها في القناة العلمية وهو يتحدث عن استثمار مائة ألف فدان في السودان لزراعة الأعلاف وتصديرها إلى دولة الإمارات العربية، ويسهب الإعلان في تصوير ووصف المشروع والتقنيات الحديثة المستخدمة في تجهيز الأرض وحفر الآبار والري والخبراء والفنيين العاملين فيه وحجم الأعلاف المصدرة شهرياً.
تذكرت أن نفس القناة أذاعت قبل حوالي الشهر إعلاناً مشابهاً عن شركة "المراعي" السعودية والتي تقوم بتنفيذ مشروعات زراعية مشابهة بالسودان لزراعة نفس الأعلاف وتصديرها للمملكة العربية السعودية.
يتم وضع الإعلان بصورة دورية خلال اليوم بحيث يراه المتابعون لأي برنامج وثائقي تذيعه القناة، تماماً كما كان الحال مع إعلان شركة "المراعي".
بالنسبة لغير السودانيين قد لا يمثل هذا الإعلان شيئاً ذا قيمة إلا قدرة رأس المال على التنمية وبالنسبة للعرب قد يمنحهم أملاً عن التكامل الزراعي العربي ولكنه بالنسبة للسودانيين يمثل علامة استفهام كبرى وسؤالاً يبدو أنه لن يهبط أبداً إلى أرض الواقع : لماذا الآن؟
تعمل هذه الشركات منذ فترة في هذه الأرض ولم نسمع عنها أو نراها، لكنها بدأت في الإعلان منذ فترة قصيرة ربما لكي تنظف أسمها أمام السودانيين بعد ثبوت تورط شركتي أمطار وجنان في استيراد فسائل النخل الفاسدة، وربما لأن الأمر يتجاوز الفسائل الفاسدة ليصل إلى إتفاقيات فاسدة واستخدام جائر للأرض والمياه على حساب البيئة والشعب والمستقبل.
طبقاً لأرقام غير رسمية فإن عدة شركات عربية ودولية تستأجر الأراضي في هذه المنطقة وتخصص معظمها لزراعة الأعلاف (البرسيم) التي تصدرها إلى دولها الأصلية؛ فهناك 200 الف فدان مؤجرة لدولة البحرين و100 ألف فدان لشركة المراعي و100 الف فدان لشركة نادك و100 ألف فدان لشركة الصافي و100 ألف فدان لشركة الروابي و100 ألف فدان لشركة صينية و200 الف فدان لشركة أمطار و50 الف فدان للراجحي بمجموع 950 ألف فدان.. ويشكك البعض في صحة هذه الأرقام قائلين أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير.
تعتمد كل هذه الشركات على المياه الجوفية الموجودة في خزان الحجر الرملي النوبي ومخزونه 40 الف مليار متر مكعب حسب بعض الدراسات بينما تقول دراسات أخرى أن مخزونه هو 150 ألف مليار متر مكعب، ويمتد هذا الخزان في أراضي مصر (650 ألف كيلو متر مربع) والسودان (750 الف كيلو متر مربع) وليبيا (400 ألف كيلو متر مربع) وتشاد (200 ألف كيلو متر مربع)، وهو يمتد من حدود السودان الشمالية الغربية مع مصر ويمتد حتى مرتفعات كردفان، وأهم ما في الأمر أن هذا الخزان غير متجدد وقد أعلن خبراء مصريون من قبل أن بإمكانهم زراعة مليون فدان على مياه هذا الخزان (الجزء المصري) لمدة مائة سنة فقط.
في عام 1992 تم إنشاء الهيئة المشتركة لدراسة وتنمية حوض الحجر الرملي النوبي بين مصر وليبيا مع الترحيب بانضمام الدولتين الأخريين في المواعيد المناسبة لكل منهما، وفي أكتوبر 2013 وقعت الدول الأربعة على على وثيقة عمل استراتيجية لمشروع حوض الحجر الرملي النوبي.
كانت الحكومات المصرية منذ عهد "عبدالناصر" قد بدأت في استغلال المياه الجوفية لإنشاء "الوادي الجديد" في الصحراء الغربية ونقل جزء من الكتلة السكانية إليه، لكن المشروع توقف بعد حرب 1967 ولم تتم العودة إليه إلا في عهد "حسني مبارك" بعد استكمال الدراسات واتضاح أن خزان الحجر الرملي غير متجدد وبدأت الحكومة المصرية في إنشاء مزارع منفصلة حدها الأقصى خمسة آلاف فدان بدلاً من التوسع في الزراعة ويعتمد مشروع "شرق العوينات" على هذه المياه بصورة كاملة بينما يعتمد مشروع "توشكى" على الفائض من مياه التخزين خلف السد العالي ويتم حفر آبار في خزان الحجر الرملي النوبي لزيادة المساحة المزروعة
وقد استثمرت شركة أمطار في مصر لتنتج وتصدر الأعلاف إلى الإمارات؛ لكنها توقفت بعد فرض الحكومة المصرية ضريبة صادرات قدرها 43 (ثلاثة وأربعون دولاراً) عن كل طن بالإضافة إلى مشكلات توفير السولار وتدهور الحالة الأمنية بعد أحداث 25 يناير 2011 فأتجهت للاستثمار في السودان وحولت نشاطها في مصر إلى إنتاج القمح لسد الفجوة الغذائية.
بينما اعتمدت ليبيا على مياه الحوض في إنشاء مشروع النهر الجوفي العظيم (النهر الصناعي العظيم) حيث يمد الجزء الجنوبي من النهر بالمياه.
يقول الإعلان بفخر أن المشروع الذي تديره شركة "جنان" لصالح شركة "أمطار" يصدر عشرين ألف طن علف شهرياً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن الشركة قامت بالحفر لمسافات عميقة لكي تصل إلى المياه الجوفية وتروي الأرض بطريقة جديدة، وأن الشركة يعمل بها عدد من الخبراء الدوليين والعمالة المحلية...إلخ.
تصدر شركة جنان طبقاً للإعلان عشرين ألف طن علف شهرياً إلى الإمارات العربية المتحدة ولا تشارك مطلقاً في سد فجوة الأعلاف في السودان، وطبقاً لوزير الزراعة بولاية الخرطوم (مايو 2016) فإن فجوة الأعلاف بمختلف أنواعها تصل إلى مليون طن سنوياً.
وطبقاً للإتفاقيات المبرمة مع الحكومة السودانية فإن الشركة معفاة من كافة الضرائب والرسوم والجمارك على صادراتها ووارداتها بما في ذلك سيارات الركوب والأثاث المكتبي، ويستمر هذا الإعفاء طيلة مدة الامتياز البالغة 99 سنة.
كما أن الشركة تستخدم عمالة أجنبية بنسبة 87% وعمالة محلية بنسبة 13%.
سألت الشركة عن تأثير الاستمرار في زراعة محصول واحد لفترة طويلة على خصوبة الأرض فقال بروفسير "محمد أحمد خيري" أن الأرض صحراوية وليست جيدة الخصوبة وأن طريقة الري المعروفة بالأمطار تضمن استخدام المخصبات الكيماوية بصورة دائمة، كما أكد مخاوفي من نضوب المياه الجوفية في هذه المنطقة بعد (وربما قبل) انتهاء فترة الامتياز.
وهكذا فإن أحفاد أحفادنا سوف يتسلمون بعد قرن من الزمان أرضاً انتهت خصوبتها ولم يعد بالإمكان تجديدها وخزاناً جوفياً خاوياً ومستقبلاً أسود لا يعرف أحد كيف يصفه.
ليس من حق الحكومة الحالية ولا أي حكومة أخرى أن ترهن مستقبل الأجيال القادمة مقابل إيجار الأرض، وفي العالم كله تتوقف الحكومات والهيئات والشركات عن استغلال الموارد الطبيعية إذا أحست أن في هذا تغولاً على حقوق الأجيال القادمة وتنتشر مصطلحات مثل "وقف إهدار الموارد الطبيعية" و"التنمية المستدامة" و"الطاقة المتجددة" للتعبير عن هذه المفاهيم الجديدة.
والمأساة أننا لا نحصل حالياً على شئ يعادل قيمة ما نخسره.. فلا الشركة الإماراتية ساهمت في سد فجوة العلف ولا هي دفعت رسوماً وضرائب وجمارك ولا هي استخدمت عمالة سودانية بكثافة ولا هي اهتمت بغذاء الإنسان السوداني كما اهتمت بغذاء حيوانات الإمارات، وكل ما حصلنا عليه هو إيجار الأرض في علاقة زراعية فريدة من نوعها تختلف تماماً عن علاقات المزارعة التي عرفها أجدادنا وعرفناها نحن بعدهم.
لم تفرض الحكومة على الشركة المساهمة في تنمية المجتمع المحلي؛ وهو الأمر الذي تشترطه أي حكومة في العالم على أي مستثمر.. وعليه فهو لن يدعم المدارس الابتدائية أو البنية الأساسية أو يقدم حتى مكتبة أو أجهزة كمبيوتر أو أي شئ آخر لهذا المجتمع الذي سيرى الأجانب يأتون ويذهبون ويستثمرون ويصدرون بينما هو غير قادر على تغيير سرواله ومركوبه وجرجاره الذين أكل عليهم الدهر وشرب وتجشأ أيضاً.
أنشأ الاستعمار الإنجليزي علاقات مزارعة متطورة في مشروع الجزيرة لكي يضمن مصالحه ويشجع الناس على الزراعة واستمر مشروعه بعد رحيله.. بينما استغل المستثمر العربي واقعنا الحالي ليجثم على ارضنا لقرن كامل مقابل لاشئ.
كل عام وأنتم بخير.. ولا تنسوا تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،
رد مع اقتباس
قديم 06-09-2017, 02:32 PM   رقم المشاركة : 1049
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







احمد حسن بيك is on a distinguished road

احمد حسن بيك غير متواجد حالياً

افتراضي

كل عام والجميع بخير وعافية.. أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركة.
كانت هيئات الأرصاد العالمية قد حذرت من أن العام الحالي 2017 سوف يكون الأكثر سخونة في القرن الحادي والعشرين، وقد صدقت توقعاتها هذه المرة وجاء شهر مارس ساخناً في السودان ثم عاد الجو لطبيعته لفترة محدودة رجعت درجات الحرارة بعدها للارتفاع مرة أخرى.
كنا قد قررنا منذ العام الماضي أن نصوم رمضان في مصر؛ وكان دافعي لذلك أن رمضان السوداني لا يعني سوى التعب للنساء اللواتي يقفن منذ طلوع الشمس في المطابخ لكي يجهزن الفطور الذي لا يخرج في العادة عن أبريقي عصير (حلو مر وعصير آخر) وصحن عصيدة أو قراصة ومعه صحن آخر يحتوي على لحم وربما طعمية، وكنت أعود يومياً من صلاة التراويح لأجد زوجتي وقد غلبها النعاس والإرهاق فنامت دون أن تتعشى ودون أن تتمكن من الرد على مناشداتي لها بالقيام وتناول بعض الطعام أو العصير.. وقد تستمر حتى الإفطار التالي على جرعة ماء تتناولها وقت السحور.
أقنعنا البعض بأن سودانير (الخطوط الجوية السودانية) قد تحسنت وأن رحلاتها اليومية إلى جدة والقاهرة قد انتظمت بالإضافة إلى كون تذكرتها هي الأرخص، ولما كان شقيق زوجتي يعمل في سودانير فقد حجز لنا على رحلة يوم 26 مايو (الجمعة).
قبل السفر بأسبوع أبلغونا بأن "السيستم" عانى بعض المشاكل وأنه نتيجة لذلك فإن موعد حجزنا قد تم تعديله ليصبح يوم 25 مايو.. وكانت تلك هي البداية.
اضطررت لأخذ إذن من عملي لكي اتهيأ للسفر يوم الخميس، وحين وصلنا إلى الموردة أدركنا القلق لأن مكتب الحجز بالشركة لم يتصل بنا لتأكيد الموعد فخاطبنا شقيق زوجتي الذي أتصل بهم وقال أن ركاب الأمس ما زالوا بالمطار لأن الطائرة تعطلت في جدة.
في اليوم التالي توجه شقيق زوجتي إلى المطار في الساعة الحادية عشرة صباحاً وظللنا نحن في حالة تأهب لكي نتحرك بمجرد أن يتصل بنا، ثم عاد في الساعة السادسة مساء ليبشرنا بأننا سنسافر غداً (السبت أول أيام رمضان) وأن حجزي وطفلتي "سمر" قد تأكد بينما لم يتم تأكيد موعد سفر زوجتي وطفلتي الأخرى "ستنا".
استيقظنا صباح السبت في انتظار تأكيد موعد السفر، وفي تمام الحادية عشر ظهراً جاء شقيق زوجتي ليطلب منا التحرك فوراً إلى المطار لأن الطائرة وصلت وعدد مقاعدها محدود (118 مقعد).
توجهنا إلى المطار حيث واصل شقيق زوجتي مساعيه لأدراجنا جميعاً في رحلة واحدة بينما كنت اتحدث مع زوجتي إنه إذا لم تكن هناك مقاعد كافية فستسافر هي مع الطفلتين حاملة إحداهما على أن أسافر أنا بالبصات السفرية لأصلهما فجر الأثنين.
حاولت زوجتي تسلية نفسها باستخدام هاتفها الجوال لكنه لم يعمل فسألت بصوت مرتفع "أليس هنا واي فاي؟" فردت عليها أمرأة مرحة "هنا ما في واي فاي.. هنا في واي واي" وابتسمنا جميعاً بعد أن نجحت طرفتها في تخفيف التوتر السائد في المطار.
ناداني شقيق زوجتي لكي أتقدم إلى الكاونتر وأزن الحقائب حيث وجدت أن كل السودانيين يحملون معهم حقائب مليئة باللحوم السودانية التي لا يسافرون في رمضان من دونها، ودفعت أمرأة أمامي مبلغ 1500 جنيه سوداني وزناً زائداً على حقيبة مليئة باللحوم.
وزنت الحقائب وتسلمت "الديباجات" الخاصة بها وكروت بأرقام المقاعد وتوجهنا بعد ذلك إلى الجوازات حيث وضعوا قبلها كاونتر لجهاز الأمن يراجع كل الإجراءات قبل السفر، وعند كاونتر الجوازات داعب الضباط طفلتينا قبل أن يضعوا تأشيرة الخروج على الجوازات لندخل إلى صالات (صالة) الانتظار.
بمجرد وصولنا إلى صالة الانتظار نادت المذيعة ركاب سودانير المتوجهين إلى القاهرة لكي يدخلوا إلى القاعة رقم (1) فقلت لزوجتي أنني سأصلي الظهر والعصر جمع تقديم قبل التوجه إلى القاعة، وحين عدت مررنا مرة أخرى عبر بوابة خاصة بالأمن حيث دخلت زوجتي والطفلتين من بوابة ودخلت أنا من أخرى وتوجهنا إلى القاعة لنجدها خالية إلا من مضيفة طلبت منا سرعة التوجه إلى البص.
دخلنا البص مستبشرين حيث انسجمت الطفلتان مع أطفال آخرين فأشاعوا في البص جواً من المرح والبهجة مع كل طائرة يرونها تهبط أو تطير.
انتظرنا داخل البص لمدة نصف ساعة كاملة قبل أن ينزل السائق ويأتي سائق غيره ليقودنا لمدة دقيقة كاملة متجهاً إلى الطائرة الرابضة في المطار ليتساءل بعض الركاب: ألم يكن من الأفضل أن تتركونا نتوجه مباشرة إلى الطائرة بدلاً من حبسنا لمدة نصف ساعة معرضين لأشعة الشمس الحارقة؟ ولم يكن هناك رد.
صعدنا إلى الطائرة لننتظر ساعة أخرى حيث بدا أن الطاقم بأكمله منشغل بمناقشات معقدة مع بعضه ومع بعض ركاب الدرجة الأولى، ولما طالت المدة توجه ركاب القسم الاقتصادي لكي يعرفوا ما المشكلة.
أخيراً أبلغنا الطاقم أنه نسبة لحرارة الجو فإن الطائرة ستسافر بدون عفشنا (حقائبنا) على أن تلحقنا الحقائب في طائرة الليل (الواحدة والنصف صباحاً) فهاج الجميع مذكرين الطاقم بأن هناك كمية ضخمة من اللحوم ستتعرض للتلف إذا بقيت خارج الثلاجات فقالت إحدى المضيفات أن العفش كله سيوضع في ثلاجات التبريد الخاصة بمطار الخرطوم.. ولم يصدقها أحد.
استمرت المشادات بين الطرفين حيث قال الطاقم في النهاية أن الخيار لنا.. فمن أراد أن يسافر بدون عفشه فأهلاً به.. وأما من أراد أن يبقى مع عفشه فبإمكانه أن ينزل من الطائرة؛ ولما كنا قد خضنا مسلسلاً مكسيكياً قبل أن ننجح في ركوب الطائرة فإن الركاب اختاروا البقاء والتضحية بالعفش واللحوم ما عدا واحداً حمل حقيبته ونزل من الطائرة.
سألنا المضيفين إذا كان سيتم تحميل بعض العفش أم أن العفش كله سيبقى فجاءت إجاباتهم متناقضة حيث قال بعضهم أن بعض العفش تم تحميله بينما قال آخرون أن العفش كله سيبقى.
تحركت الطائرة حوالي الساعة الثالثة والنصف فلم نتنفس الصعداء لأن قلقنا على عفشنا منعنا من ذلك، ولأن المضيفين أيضاً (عدا واحداً) تأثروا بما حدث وبدوا عدائيين للغاية.
جاء موعد تناول الوجبة فسألت المضيفات الركاب إن كانوا صائمين وبدت عليهن خيبة الأمل حين اتضح أن معظم الركاب قد استغلوا رخصة السفر وأفطروا وصرحن بأن عدد الوجبات محدود نسبة لأن معظم الركاب يصومون في الرحلات القصيرة.
مرت الرحلة بسلاسة وهبطت الطائرة في مطار القاهرة في تمام الخامسة مساءً بالتوقيت المحلي لتجئ سيارات نقل الحقائب محملة بحقائب الركاب المسافرين وتبدأ فوراً في تحميلها داخل الطائرة.. وهو ما يعني أن مخزن العفش كان خالياً تماماً.
مررنا من نقطة الحجر الصحي بدون مضايقات حيث لم يسألنا أحد عن البطاقات الصحية وكذلك مررنا عبر الجوازات بسلاسة لنجد مسؤول العفش سودانير في محطة القاهرة يحمل ورقة ضخمة عليها رقم تليفونه ويطلب منا تسجيل الرقم لأن العفش سيصل فجر الأثنين (وليس فجر الأحد) في تمام الساعة الرابعة فجراً.
تبادلت معه حديثاً قصيراً لأسأله لماذا لا تقوم سودانير بتأجير طائرات لتنقل عليها الركاب الذين تأخرت طائراتهم بدلاً من وضعهم في الفنادق فرد أن تكلفة الفنادق أرخص من تكلفة استئجار طائرة!!!
خرجنا من المطار لنجد سائقي التاكسي الذين حاولوا فرض شروطهم (مائة وخمسين جنيهاً عن العائلة بالإضافة إلى ركوب شخص آخر معنا) فرفضنا لأنه لم يكن معنا عفش ولأننا نعرف جيداً مكان المواصلات التي لن تكلفنا سوى جنيهين لكل منا بالإضافة إلى وجود متسع من الوقت قبل موعد الإفطار.
تحركنا على قدمينا مستمتعين بالجو الجميل (كانت درجة الحرارة 28 مئوية) والمكان الرحب والمشهد الرائع حتى وصلنا إلى مكان المواصلات حيث توقف تاكسي أمامنا وسألنا السائق عن وجهتنا فقلنا له "عابدين.. سوق الأثنين" وسألناه بدورنا عن القيمة فقال أنه لا يعمل على التاكسي وقد استعاره ليوصل بعض أقاربه إلى المطار وأنه سيتقاضى منا قيمة العداد فرحبنا على الفور وركبنا معه.
حين وصلنا كان العداد قد وصل إلى 49.60 قرشاً فدفعنا له خمسين جنيهاً وصعدنا إلى شقة شقيقتي "عزة" وزوجها "محمد جمال" اللذان استقرا بالقاهرة بعد قرارات السعودية الأخيرة باستبعاد كل من تخطى الستين من العمل.
نزلت زوجتي بعد الإفطار لكي تشتري بيجامات للطفلتين لتتمكنا من تغيير ملابسهما بينما انتظرت بالمنزل حيث جاءني شقيقي "طارق" لترحب به الطفلتان بحرارة واطمئن منه على أحوال جميع المقيمين بالقاهرة.
اتصلنا فجر الأثنين بمسؤول العفش الذي أكد لنا وصول العفش وحدد لنا مواعيد وكيفية استلامه، وسألت عديلي "علاء" عن أفضل وسيلة للوصول إلى المطار فنصحني باستخدام بص المطار من المحطة القريبة.
ركبت البص رقم 1003 ليأخذني في رحلة ممتعة عبر مناطق شبرا والأميرية والألف مسكن والحلمية وصولاً إلى المطار حيث توجهت إلى المبنى رقم (1) وأخذت دوري مع ركاب آخرين في انتظار استخراج تصاريح لنا لنتمكن من استلام عفشنا.
في مخزن العفش طغت رائحة اللحم النتن على كل شئ فاستعوضنا الله فيه واستلمنا حقائبنا وتوجهنا إلى منفذ الوصول لكي نبحث عن تاكسي يوصلنا إلى وجهاتنا المختلفة.
كنت قد لاحظت حين وصلنا أن المطار (صالة 1) شبه خالي وليس مزدحماً كالأيام العادية وتكررت نفس الملاحظة حين تسلمت العفش، على أنني توفيراً لوقتي وأعصابي توجهت إلى مكتب إحدى الشركات لكي أحجز تاكسي وأدفع القيمة المدونة بفاتورة بدلاً من الجدال والنقاش مع سائقي التاكسي الذين يعملون لحسابهم.
عدت إلى منزل شقيقتي لكي أبدأ باستخراج اللحم وإلقائه في المهملات قبل وضع الحقيبة بكاملها في الشمس لكي تتخلص من الرائحة ومن أي بكتيريا باقية.
في اليوم التالي توجهت إلى مكتب الخطوط الجوية السودانية بالتحرير لكي أحجز العودة فاعتذر لي الموظف بأن الموعد الذي طلبته في العيد مشغول بالكامل ولا توجد به أي أماكن وقال أن بإمكانه وضعي في الاحتياط يوم 27 يونيو 2017 فوافقت ليبدأ الإجراءات على الكمبيوتر ويسألني في استغراب: متى وصلتم؟ قلت له وصلنا في طائرة يوم 27 مايو 2017 فرد بدهشة: أسماؤكم ليست موجودة ضمن قائمة ركاب الطائرة!!
أظن أن "بيل جيتس" هو من قال أن إحدى الأخطاء الشائعة التي يقع فيها عديمو الخبرة وحديثو التعيين هي عدم القدرة على إدراك الفروقات الثقافية بين المجموعات الثقافية المختلفة وبين الأجيال وبعضها.
لكن سودانير وإدارتها ليسوا عديمي الخبرة أو حديثي التعيين؛ فعمر سودانير يزيد عن الستين عاماً كانت في معظمها الناقل الوطني المسؤول عن نقل المسؤولين الحكوميين إلى أي مكان في العالم.. وحين تعجز قيادات الشركة عن فهم أن السودانيين لا يمكنهم السفر في رمضان بدون أن يحملوا لحومهم معهم (سواء ليأكلوها أو ليقدموها كهدايا) فإن سؤال "الطيب صالح" يعود للإلحاح بقوة " من أين أتى هؤلاء؟".
وأحد الأخطاء التي تقع فيها القيادات هي عدم دعم موظفي الخط الأمامي: موظفي الكاونترو الحجز والوزن والمضيفين الذين يتعاملون جميعاً مع الركاب مختلفي المستوى التعليمي والثقافي والأمزجة ويواجهون مع كل راكب مشكلة جعله يشعر بالراحة وبأنه رقم واحد في اهتمامات كل هؤلاء، لكن إدارة سودانير وضعت كل هؤلاء في حرج بالغ حين اتخذت قراراً ولم توفر لهم المعلومات الكافية التي يردون بها على الركاب ولا الخيارات الكافية ليضعوها أمام الركاب مثل "بإمكان كل من أراد أن يحمل معه حقيبة واحدة داخل الطائرة".
لقد تركت إدارة سودانير موظفيها يتحملون خطأها وحدهم ويواجهون غضب الركاب المشروع بدون أي معلومات وأي دعم فرد هؤلاء على الركاب بعدائية واستمر التوتر طيلة الرحلة، وهو ما يعني قصور غير مبرر في تدريب هؤلاء المضيفين على مواجهة شتى المواقف المختلفة.
على أن الخطأ الرئيسي هو في جهل هذه القيادات بالهدف الرئيسي من وجودها ومن قيام الشركة؛ فمهمة الشركة الأساسية هي نقل الركاب وليس توفير الأموال.. لذلك فإن على قيادات الشركة السعي لاستئجار طائرات تنقل المسافرين الذين تخلفت طائراتهم بدلاً من إسكانهم بالفنادق بحجة أن الفنادق أرخص من استئجار طائرة.
تمثل القصة كلها سيطرة كاملة لعقيدة الإذعان المسيطرة على وعي "أو عدم وعي" المسؤولين في كافة الأجهزة والهيئات والشركات الحكومية والتي تفترض أن على المواطن أن يقبل ما تقدمه بدون أدنى شكوى أو تذمر، وهي عقيدة تمتد إلى كافة مواقع تقديم الخدمات في دول العالم الثالث حيث على المواطن أن يقبل ويشكر ويعتذر ويقدم كافة البيانات التي يطلبها الموظف بصرف النظر عن ارتباطها بالخدمة التي يطلبها ويدفع رسومها كاملة.. كم مرة يا ترى واجهنا ضابط جوازات يحمل نجمتين على كتفيه ويحك أعلى شفته وذقنه بالموسى كل يوم لكي تنبت سائلاً إيانا "أنت سوداني؟ من وين جبت جواز سفرك أو جنسيتك؟" ..فإذا لم نكن نحن سودانيين فمن هم السودانيون؟ أو كما قال الأستاذ "بيك" حين تقدم في الخمسينيات إلى السفارة السودانية ليحصل على الجنسية السودانية وسأله ضابط الجوازات المتعجرف "أنت سوداني؟" فرد الأستاذ "بيك" عليه "لو ما كنت سوداني شنو بيجيبني من آخر الدنيا عشان جنسيتكم دي؟".
كان العم "عبدالرحيم بيك" يقول أن السودان يتراجع ببطء منذ الاستقلال وتحققت رؤيته شيئاً فشيئاً؛ فشركة الخطوط الجوية السودانية تتأخر باستمرار وتقدم خدمة سيئة حتى بالمقارنة مع لواري السفنجة التي كنا نركبها من قبل.. فمع هذه اللواري كنا نتخير السائق الذي يريحنا سواء كنا مستعجلين أو غير مستعجلين ونتخير الصحبة فنسأل من المسافرون مع فلان ومن المسافرون مع فلان ويأتي اللوري أمام بيتنا فينزل المساعدون لكي يرفعوا العفش ويسلموا علينا وعلى أهلنا ويتبادلون التحايا والوصايا.. ليس بإمكان سودانير اليوم أن تقف أمام لواري السفنجة قبل أربعين عاماً مضت.
كنت اتفقت مع أخي "محمد حسين بيك" أن أحمل معي أدوية لخالتي "أمينة بيك" تستلزم حفظها في الثلج طوال فترة الرحلة، ولقد أنفق أكثر من أسبوع يبحث عن هذه الأدوية حتى حصل عليها من الإمدادات الطبية.. غير أن ظروف السفر المفاجئ حالت دون تنفيذ الإتفاق.. فالحمد لله أنني لم أحمل الأدوية الثمينة معي وأتسبب "أنا وليس سودانير" في فسادها.
حان وقت تناول البلح والليمون.. وتصبحون على خير،،،
رد مع اقتباس
قديم 06-09-2017, 05:48 PM   رقم المشاركة : 1050
معلومات العضو
عضو متميز
 

إحصائية العضو







mahir baik is on a distinguished road

mahir baik غير متواجد حالياً

افتراضي

من العجائب أن تستأجر سودانير طائرة بها 118 كرسي فقط
طراز B737 الذي كانت سفريتكم عليه بدأ إنتاجه 1967 و أول ما ظهر منه 737/200 و كان يتسع لمئة و ستة ركاب في حال تقسيم الطائرة لدرجتين ... اولى و اقتصادية و 123 راكب في حال الدرجة الواحدة الإقتصادية .
تعاني سودانير من حالة حرب غير معلنة .... بعضها نتيجة غباء الإداريين الذي اتوا بطائرات اوربية تعمل بمحركات امريكية ... في حين أن الولايات المتحدة تفرض حظرا على التعامل مع السودان .... حتى في الأدوية!!!!
و البعض نتيجة التعاملات الغير منطقية حيث مطار الخرطوم الأن المقر الرئيسي لشركات الطيران السودانية كلها .... مما يخلق حالة من التنافس الغير شريف ..... و ايضا هناك عدد كبير من شركات الخدمات الأرضية و بعضها لا يملك معدات ارضية من الأساس .... في حين ان حجم الحركة في المطار ليس بالكثرة التي تتطلب وجود هذه الشركات ..... حينما كان مطار الخرطوم يستقبل سفريات من أكثر من عشرين شركة أجنبية كان مقدموا الخدمات الأرضية ثلاثة فقط .... سودانير .... ماكس ... Air handling ...... و أهم خدمة في المطار حاليا و هي Bush back لا يقدمها الا سودانير ..... و وضعت ادارة الطيران المدني تسعيرة متدنية لهذه الخدمة و بعد ذلك تشارك سودانير في ما يأتي منها!!!!
سودانير تتعرض لحرب تشارك فيها ضدها جهات حكومية .... من المفترض أن تخرج طائرة A310 من الصيانة قبل عدة شهور .... و رغم إجراء التجارب الارضية بعد تركيب المحركات إلا أن الطيران التجريبي لم يتم حتى الأن!!!!
رد مع اقتباس
رد

مواضيع جديدة في قسم المنتدى العام


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مطعم صاى فود عمار عبدالرحيم محمد فرح المنتدى العام 5 01-25-2010 11:15 AM
الإخلاص سمل المنتدى الاسلامي 0 07-23-2005 03:13 AM




Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع ما ينشر في المنتدى يعبر عن رأي كاتبه فقط